أدى أمانته .. فترجّل عن صهوة جواده

غفر الله له وأسكنه فسيح جناته –
بنى الإنسان على أسس من الدين الحكيم والسلوك القويم –

د. محمد الزيني – أستاذ الفلسفة الإسلامية ـ كلية العلوم الشرعية –

استيقظت كالعادة لصلاة الفجر، ثم أويت للفراش وأنا أسمع آيات القرآن الكريم، ثم لفت انتباهي استمرار القراءة دون التوقف عند الساعة السادسة كالعادة لبدء يوم جديد ثم انقطع الإرسال وسمعت من يقول بيان من الديوان السلطاني، فقفزت من الفراش ووقفت أسمع بكل حواسي وأنا أتوجس خيفة من شر نازل، وبخاصة أننا جميعا في عمان كنا نتتبع أخبار صحة سلطان البلاد المفدى ـ وأعلن البيان وفاة قائد البلاد المعظم ومؤسس عمان الحديثة والمعاصرة، وسمعت البيان إلى النهاية ونبا بي المضجع وأخذت أفكر في أمور الحياة وحركتها الدائبة وقوانينها الحتمية وأننا كلنا أبناء الفناء وأصدقاء الموت ولا مفر من هذه الرحلة الأخيرة لنذهب إلى جوار ربنا الكريم الرحمن الرحيم.
عادت الخواطر تجتاحني وأسترجع تاريخ هذا القائد الحكيم الذي تولى مقاليد البلاد وهو في عنفوان شبابه والآمال تحدوه وكله قوة ونشاط وآمال وطموحات وقد تحرك ووراءه شعبه لانتشال بلاده من مرحلة العصور الوسطى ومن الماضي إلى الحاضر ومن التخلف إلى التقدم ومن الشقاق والتشتت إلى الوئام واللحمة الوطنية، وكافح خلال سنوات حكمه بهمة ونشاط وتدبير محكم وتخطيط علمي وحنكة وحسن نظر وظل سنوات يبني وطنه في صمت وصبر وعمل محكم وجهاد مستمر وكفاح محمود، وكلما مر عام ارتفع البناء، وظل هذا القائد الملهم في سياسته الحكيمة وصبره المحمود وعمله الدؤوب وصمته العميق كتابا مفتوحا يفصح عن إنجازاته ومشاريعه القومية، يترك عمله وإنجازاته الشاملة تهتف بالجهد المبذول والكفاح المتواصل لتحديث بلاده ونقلها نقلة نوعية وحضارية لاحتلالها مكانة سامقة بين الدول المتقدمة.
كان من خطط هذا القائد الحكيم أن يقوم كل عام بزيارة محافظة من محافظات السلطنة يتعرف على مشكلاتها وهمومها واحتياجاتها ويقابل أفراد الشعب ومشايخ القبائل يجلس بينهم في فضاء الصحراء مثل أي مواطن، وإذا تأملت هذه الصورة المبهرة والجلسة البسيطة وسلطان البلاد يجلس على بساط متواضع ويسند رأسه على عصاه وكله آذان صاغية وبسمته ملأت عينيه وقد انتشر السرور في وجهه كله كأنه قمر مضيء وأمامه مواطن بسيط يحدثه عن طلبات قريته أو احتياجات مدينته أو شيخ يجلس قبالته يحدثه عن همومه وكل مطالبه أن يبني لهم مستشفى أو مدرسة أو يعبد لهم طريق، ومن خلال هذه الزيارات بدأ التلاحم بين السلطان والمواطن يحب شعبه ويحبه شعبه ويدرك أن العناية الإلهية عوضته بهذا الرجل الحكيم والقائد الشجاع الذي يسبق عمله كلامه فهو دائما ملتزم بالصمت والتفكير العميق لكي يفكر في الخطوة التالية. وكان نتائج هذه الزيارات السنوية لمحافظات السلطنة وولاياتها ومدنها وقراها حصيلة وافرة من الأعمال المجيدة والإنشاءات الباهرة فانتشرت المدارس والمستشفيات والمصانع في أركان السلطنة وأثبتت رؤيته الحكيمة نفاذ خطته، ومن الظواهر الغريبة توزيع هذه الإنجازات بطريقة متساوية كأنها الأواني المستطرقة، في حين أننا نفتقد ذلك في بلادنا العربية حينما نرى مدينة تعيش العصر وأخرى متخلفة حضارية بطريقة مزرية ومأساوية.
إن الحقيقة التي لا مراء فيها أن هذا القائد الحكيم قاد بلاده إلى البطولة والمجد والانتصار وكان حكيما في كل خطوة اتخذها داخليا وخارجيا. ومن يقرأ تاريخ السلطنة ما قبل النهضة وأحوالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ثم يزور السلطنة ويسير في ولاياتها ويزور مشاهدها ويعاين إنجازاتها ويرى مدنها وقراها ومصانعها وجامعاتها التي أثبتت جدارتها ورفعة مستوى خريجيها والكليات التي انتشرت في ربوعها، وموانيها الدافئة والحركة النشطة التي تملأ جوانبها والسفن التي تمخر عباب بحر عمان وتعيد أمجاد الأسطول العماني ومطاراتها القديمة والحديثة التي بنيت على أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا المعاصرة وتألق مبانيها ونظافة شوارعها وهدوئها وتنسيق حدائقها وزهورها المتفتحة وأريجها الفواح والأسر العمانية والزوار والمقيمون يتمتعون بهذه المناظر الباهرة ويتنفسون الهواء النقي، أقول من يشاهد كل ذلك يدرك إدراكا واضحا مدى عظمة هذا السلطان الحكيم وشعبه العظيم الذي وقف خلفه بحب وقوة وإيمان وشجاعة وتأييد وتشجيع على قلب رجل واحد لذلك سار موكب البناء يحقق النصر بعد النصر.
على أنني اعتقد أن من أعظم إنجازات السلطان الموهوب والقائد الحكيم ورب الأسرة الحنون هو بناء الإنسان العماني على أسس الدين الحكيم والخلق المتين والسلوك القويم، وتقديس كرامة العماني واحترام شخصيته مما جعله إنسانا متفردا معتزا بشخصيته في كل مكان، شعور المواطن بالمساواة وأنه ند لكل شخص، فهو إنسان بصرف النظر عن نسبه ووظيفته ومركزه الاجتماعي، احترام السلطة القائمة للمواطن العماني، هذه قضية نفتقدها في دولنا العربية حينما تسير في شوارعها تشعر بالتراتبية والفوارق الطبقية بين الناس وقوة السلطة الحاكمة والبطش بالمواطن دون مراعاة أي أخلاق أو قوانين، أما هنا في عمان فتلاحظ أن المواطن عنده شعور بالمساواة أمام القانون والاعتزاز بالنفس التي كرمها الله فالكل سواء في التعامل، فالفراش يجلس مع عميد الكلية من دون إحساس الأول بالذل والدونية أو شعور الثاني بالاستعلاء والفوقية، يجلس الموظف الكبير مع الموظف الصغير فلا يتزلف الصغير للكبير ولا ينافقه، ولا يتعالى الكبير على الصغير ولا يحتقره ـ كما رأيت وشاهدت ــ فالكل يشعر أنه يقوم بالعمل المنوط به، وأنه إنسان كرمه الله سبحانه. وفي هذه اللحظة تدرك كيف طبق هذا المجتمع المتدين والسلطة القائمة قول الله سبحانه:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).
انظر إلى تعامل رجل الشرطة مع المواطن سواء أكان عمانيا أم مقيما، احترام كامل وتعامل حضاري ولغة مهذبة نابعة من التربية الدينية والشعور الديني العميق والقوانين الصارمة والرقابة المستمرة، يقف الشرطي أمام المواطن وهو جالس في سيارته ويطلب منه بكل أدب واحترام وبصوت هادئ، فيلبي المواطن الطلب ويقوم الشرطي بواجبه، وتنتهي المهمة في دقائق مملوءة بالاحترام والتقدير من كلا الطرفين.. نعم هذه أعظم إنجازات هذا القائد الحكيم الإعلاء من شأن المواطن واحترام كرامته وشخصيته لدرجة التقديس.
توقفت خواطري وانقطع سيل الشوارد العقلية على صوت المذيع يعلن أن موكب الجنازة سيتحرك إلى جامع السلطان قابوس الأكبر للصلاة على القائد الكبير وإتمام مراسم الدفن، يا سبحان الله؛ لا ضجيج ولا احتفالات ولا مظاهر كذابة ولا ادعاءات فارغة، ولا انتظار لوصول ملوك الدول والرؤساء وأصحاب الفخامة والعظمة لحضور الجنازة، هذه قضية غير مطروحة بالمرة لاعتبارات دينية مهمة وعلى أصحاب الشأن تطبيق أوامر الدين بلا تردد أو تأخير، هذا أولا وثانيا أن شخصية القائد المجاهد الذي طواه الموت وحمله إلى أنوار السماء يحمل في ذاته وشخصيته كل مظاهر الاحترام والتقدير ومقومات الهيبة والإجلال. فهو قد أدى الأمانة المنوطة به وحقق العهد بينه وبين ربه، وطبق شروط العقد الاجتماعي بينه وبين شعبه، دون ضجيج ولا هتاف، ولا خطب ولا كلام معسول ولكن بالجهد الصادق والعمل المخطط والمنهج العلمي.
تحرك موكب الجنازة المهيب في صمت رهيب وحزن عميق وجثمان القائد لف في علم الوطن الغالي الحبيب الذي عاش عمره يعمل على رفعة شأنه، وحوله قلوب الملايين تخفق والألم يعتصرها والعيون تزرف الدموع والحزن يكسو الوجوه والمهج تدعوا له بالرحمة والمغفرة وتلهج بالثناء عليه والشكر على ما قدمه للوطن الغالي، وصل الموكب الحزين إلى المسجد الأكبر وتقدم السادة وقواد الأسلحة المختلفة بكل الحب والاحترام يتسابقون في حمل الجثمان الطاهر ويتبركون بهذا العمل النبيل واحتشد الجمهور الغفير في المسجد يلهج بالدعاء ويهتف بمآثره ويبكي فراقه وتقدم سماحة المفتي في خطوات وئيدة بطيئة محملة بالهموم وحزن غامر وقلب مكلوم وعيون دامعة لإقامة صلاة الجنازة ،لحظات عصيبة وثوان مؤلمة هكذا الموت لا يفرق بين البشر ولا بين جنس وجنس ولا أمير وغفير ولا كبير ولا صغير فهو قانون الحياة العادل، في الوقت نفسه يوحد المشاعر ويؤلف القلوب ويجمع شمل الوطن الواحد للهتاف بصمت والدعاء المتواصل للراحل العظيم وتكرار الدعاء له بالرحمة والمغفرة والثناء عليه وعلى أعماله وتاريخه ومجده.
وصل موكب الجنازة إلى مقبرة العائلة الكريمة وإلى المقر الأخير عند أرحم الراحمين، بعيدا عن دنيانا الفانية وعالمنا المغرور وحياتنا المنقطعة هنا المثوى الأخير هنا الحياة الباقية، لحظات تأمل عنيفة يتوقف عندها الإنسان هكذا تنتهي الحياة بكل ما تمثله من مظاهر كاذبة وأوهام خيالية. هنا نأتي إلى الله لكي يحاسبنا على أعمالنا لا نحمل شهادات ولا ألقاب ولا رتب ولا نياشين. معنا سجل أعمالنا وإنجازاتنا وما قدمناه لأوطاننا وديننا ولأمتنا.
لا مفر من الموت ولا مهرب، فهو سنة من سنن الوجود وقانون من قوانين الحياة وهي فانية ومنتهية الصلاحية في جميع الأحوال. لكن من المعلوم أن الأبطال العظماء والزعماء المخلصين والقادة الأوفياء لدينهم وشعوبهم وأصحاب المواقف الصادقة وزعماء الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي لا يموتون ولا تضيع ذكراهم في زحام الحياة، بل يسجلهم التاريخ في أنصع صفحاته؛ ومنهم أمير السلاطين وشيخ العرب وحكيم الحكماء قابوس بن سعيد رحمه الله وطيب مثواه ولله الأمر من قبل ومن بعد.