الحكمة وأهل الاقتصاد ..

مصباح قطب –
الحكمة ضالة المؤمن يتذكر الإنسان أهميتها البالغة في المواقف الصعبة وخلال الأزمات الحادة، كأن مجريات الأحداث تريد التأكيد على الأخرى والقيمة الرفيعة التي قدمها المغفور له جلالة السلطان قابوس للإنسانية ولأمته ولبلاده من خلال التزامه الحاسم باتباعه نهج الحكمة والحنكة والاتزان والنزاهة.
سيكتب كثيرون عن نهج جلالة السلطان قابوس واستمراريته لكن يبقى أن الانتقال الدستوري السريع والحاسم والتوافقي للسلطة إلى جلالة السلطان هيثم بن طارق قدم دليلا عمليا على مقدار استقرار ورسوخ الحكمة الشاملة في هذا البلد بحيث يمكن القول إن سلطنة عمان أصبحت موطنا لها .
في أوقات الحزن والألم والتفجع على الراحل العظيم حملت إلينا الأنباء خبرين مهمين على الصعيد الاقتصادي يوضحان قيمة الحكمة.
أولهما تراجع الطلبيات الجديدة من شركة « بوينج» الأمريكية العملاقة إلى أدنى مستوى لها منذ عقود، وبحيث سبقها الغريم الأوروبي – «ايرباص» – بمراحل كنتيجة لما آلت إليه الأوضاع بعد حادثي طراز ماكس 737 الموقوف إنتاجه في بوينج حاليا، لا يمكن لعاقل أن يتصور أن الولايات المتحدة تخلفت فجأة عن الركب في مجال التطور الهندسي/‏‏‏‏‏ التكنولوجي في عالم الطيران والفضاء بحيث يسبقها سابق جديد، أو إنه حدثت اكتشافات مفاجئة على الجانب الآخر من الأطلنطي تفوق على «ايرباص» تفوقا قد يستمر ومن الوارد أن تلحق به بوينج بسرعة أو أن تستعيد مكانتها، ولا يمكن أيضا تصور أن التدهور في مكانة العملاق الأمريكي هو فقط محصلة سقوط طائرتين على خطورة الحادثين وأعداد الضحايا الكبيرة فيهما فما الذي يفسر ما جرى إذا ؟
إنه في ظني وبكل وضوح افتقاد الحكمة، بكل بساطة فإن الحكمة هي محصلة جمع الخبرة والمعرفة والفراسة أو البصيرة النافذة ما يفضي إلى اتخاذ قرارات أو توجهات أو تبني منهجيات تخدم ما هو خير أو تقدمي أو عادل أو متوازن ومقبول.. إلخ ، ومن معايشات طويلة لما يجري في الولايات المتحدة ومن محصلة زيارات سنوية متكررة منذ 2007 ومن مناقشات مع أطراف تعيش هناك .. يمكنني القول إن الكثير من القرارات في الولايات المتحدة مفروض على العقل، وليست نابعة منه ومع ذلك تسير الأمور هناك وكأنه لا يمكن الفكاك من هذه الشبكة، بمعنى آخر فإن مراكز الفكر والصحافة والسينما والتوجيه التي تنفق على أغلبها الشركات الأمريكية الكبيرة ذاتها، سرعان ما تفرض لغتها ومنطقها على تلك الشركات نفسها أو على قادتها دون وعي حتى ولو كان ذلك مضرا في الأجل المتوسط والبعيد وربما القصير أحيانا كذلك.
وقد عرفنا أن الولايات المتحدة بصفة خاصة تشهد موجات من التدفقات الفكرية المتسلحة بالعلم في المجال الاقتصادي وهمها الأول، عادة هو تأكيد ريادة النموذج الأمريكي وأسبقيته والتسخيف أو التهوين من أي نهج سياسي اقتصادي آخر خاصة لو كان شموليا أو سلطويا أو تتدخل فيه الدولة المركزية بدرجة كبيرة وفق التصور الأمريكي.
ومن تلك الموجات الفكرية فقد ظهرت منذ فترة عقيدة إعادة الهندسة الإدارية والمالية والتنظمية للمؤسسات الصناعية – وغيرها – بهدف خفض التكاليف كهدف أسمى وبحجة المنافسة والتفوق على الخصوم وإرضاء حملة الأسهم، وقد ترتب على اتباع هذا النهج – وفيه بعض المنطق بالطبع – الذي يتم الأخذ به عادة دون أي تشاور حقيقي مع العاملين إلى حدوث تهاون ليس قليل الشأن حتى في صناعة لم يكن يتصور أحد انه سيتم التساهل مع معاييرها وهي الطيران، وقد أثبت ذلك بشكل واضح المراسلات المتبادلة بين العاملين في «بوينج» التي كشفت عنها مؤخرا الهيئات الرقابية هناك، بحيث إن الجميع تقريبا – ما عدا الإدارة التي تتمسك بنهج خفض التكاليف وفق تصورها – كان يعرف أن ثمة خطرا يلوح في الأفق لكن الجميع أيضا كان ينحدر إلى المسار المأزوم بلا أي قدرة على وقف التراجع إلى أن انفجرت الكارثة في وجه الجميع، وأصبح حتى معدل نمو الاقتصاد الأمريكي نفسه مهددا بسبب الخلل الذي حدث في حجم أعمال « بوينج» .
لن تستعيد بوينج مكانتها في ظني إلا بإعلان واضح وصريح، ومضمون تأمينيا، بأن الشركة ملتزمة بأعلى معايير الجودة في كل المكونات وفي المنتج النهائي كله وأن الجودة قبل التكاليف هذا مع العلم بأنه في الإمكان دائما كما قلت تحقيق قدر من الوفورات بحوار صادق مع العاملين مع تحويل جانب من الوفر اليهم ليشعروا بمصلحة شخصية في تقدم أفكار عملية مفيدة كانت غائبة عن الإدارة.
على جانب آخر يشدنا خبر توقيع الاتفاق التجاري الأولي بين الولايات المتحدة والصين إلى إظهار ما للحكمة من تأثير على أمور كونية أو عالمية التأثير مثل الصدام التجاري الذي جرى بين البلدين، أقول ذلك وأعلم مسبقا بأن الاتفاق لن يغطي كل شيء لأي من البلدين وبأن الصراع الأمريكي – الصيني هو أبعد من أن يكون صداما تجاريا فقط فمن الواضح أن له أبعادا استراتيجية ضخمة وبما يليق بأكبر قوتين متنافستين على قيادة العالم حاليا، وانه لن يجد حلا نهائيا في تقديري إلا بعد سلسلة من المخاشنات وصولا إلى اتفاق يقبله الطرفان في النهاية، مبني على تصورهما لتوازن القوى ويستطيع أن يعيش على الأقل لعقود كما عاش التوافق الذي تم بناؤه بعد الحرب العالمية الثانية.
بحسابات المكسب والخسارة قال كثيرون: إن الصين خسرت في الاتفاق لأنها مجبورة في النهاية على مزيد من الاستيراد من الولايات المتحدة وعلى فتح أسواقها المالية وعدم التأثير على عملاتها .. الخ، لكن حتى من تحدث عن خسارة الصين قال إنه على يقين أن الصينيين حسبوها جيدا وارتأوا أن ما يخسرونه في المدى القصير هو أقل بكثير مما يمكن أن يخسروه حال استمرار الصدام مع الولايات المتحدة، وبالتالي فإن من مصلحة بلدهم الانحناء بنعومة للعاصفة، قد يسهل أن نقول إن جانب الحكمة جاء من ناحية الصين وحدها وهذا حقيقي إلى حد بعيد غير انه لا يمكن أن ننكر أن إدارة ترامب على غرابة ما تقوم به في معظم القرارات كان لديها قدر من الحنكة أيضا في إدارة الملف بحيث إنها ستقدم ذلك للناخبين على انه مكسب لم يكن يستطيع تحقيقه إلا ترامب نفسه .
قد تتوتر العلاقات بين العملاقين مجددا حين يتم التطرق في الاتفاق الثاني الذي قال ترامب إنه غير مستعجل بشأنه ويرى تأجيله إلى ما بعد الانتخابيات الأمريكية، ويشمل تعقيدات قضايا الملكية الفكرية وسرقة التكنولوجيا وبحر الصين الجنوبي والدعم الصيني للشركات .. الخ ، ومع ذلك فإنه يمكن القول إن التوافق على أن يكون هناك حوار مهما اشتد الخلاف هو بحد ذاته مكسب لأن بديل ذلك أي احتمال تحويل الخلاف إلى صراع مسلح هو أمر روع البشرية كلها. قليل من الحكمة يصلح المعدة وكثير من الحكمة يجعلك تتذكر المغفور له جلالة السلطان قابوس، ففي أصعب الأوقات والظروف والمشاكل كان ثمة صمت بليغ منه ومقاربات هادئة عميقة ومنصفة وبصيرة نفاذة توضح أين الحق وكيف يمكن الوصول إليه ، وكيف يجب تفادى الانجرار إلى ما هو شر أو تدمير أو ترويع أو جور.
حمى الله سلطنة عمان الغالية وأعز دورها وسلامها ونموها وتطورها وتقدمها في ظل السلطان الجديد للبلاد.