اضاءة :فقيد الوطن

سالم الحسيني –
حُق لكل نفس عاشت على هذه الأرض الطيبة أن تسكب دموع الحزن والأسى على فراق حبيب القلوب وبلسم الشعوب الذي بكته الأرض قاطبة، فما قدمه جلالة السلطان قابوس عليه من الرحمن الرحيم شآبيب الرحمة والغفران لبلده ولعموم بلاد المسلمين والعالم أجمع من خير يفوق الوصف والخيال في زمن ندرت فيه محامد الرجال ولا تزال ثناءات البشر من شتى أصقاع الأرض تلاحقه في مرقده الطاهر ولسانهم يلهج بالدعاء بأن تكتنفه الرحمة والسكينة والطمأنينة والفوز بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
إن من عاش حقبة السبعينات أدرك أن جلالته- طيب الله ثراه- أنقذ البلاد من مستنقع بئيس عايشته إلى آفاق من الحاضر السعيد عاشته، فقد ذرع أرضها طولا وعرضا لتشخيص الداء العضال الذي أطاح بالبلاد وأهلك العباد، من فرقة وشتات في زمن تنازعت فيه مصالح العالم قوى عتيدة لا تقيم للعدل ولا للقيم السامية وزنا، فكانت خطوته الأولى توحيد البلاد والالتفاف حول قيادته يدا بيد، إيمانا منه أن يد الله مع الجماعة، وأن بناء الإنسان قبل بناء الأوطان فبدأ- طيب الله ثراه- بغرس القناعات قبل سن التشريعات، حيث انتزع السخائم والأحقاد وأردم فتيل القبلية والطائفية والمناطقية متخذا من نهج القرآن الكريم الداعي إلى الوحدة والعفو والتسامح نبراسا، فكان في خطاباته السامية: «عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ»، «وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»، «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»، حتى التأمت الجراح وتآلفت النفوس وهدأت المشاحنات، وسنت القوانين والتشريعات لتجرّم كل ما يثير النعرات ويفرق الجماعات، فاتحا باب الرحمة موصدا باب الغلظة- إلا ما ندر- متخذا من الهدي النبوي الشريف: «آخر الدواء الكي» تشريعا فتآلفت القلوب، ليبني عليها الخطوة التالية المتمثلة في بناء الوطن، فكان خطابه التاريخي الأول: (إني أعدكم أول ما أفرضه على نفسي أن ابدأ بأسرع ما يمكن أن اجعل الحكومة عصرية وأول هدفي أن أزيل الأوامر غير الضرورية التي ترزحون تحت وطأتها، وسأعمل بأسرع ما يمكن لِجَعْلِكُمْ تعيشون سُّعَدَاءِ لمستقبل أفضل.. وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب. كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي، وإني أتطلع إلى التأييد العاجل والتعاون الودي مع جميع الشعوب وخصوصا جيراننا وان يَكُون مفعوله لزمن طويل والتشاور فيما بيننا لمستقبل منطقتنا.. شعبي وأخواتي.. كان بالأمس ظلام ولكن بعون الله غدا سيشرق الفجر على مسقط وعمان وعلى أهلها) بعدها انطلقت النفوس جذلى مشمرة عن سواعد الجد فتلاقت الأيادي تبني عمان الحديثة بجميع فئاتها ومؤسساتها وهيئاتها محاطة بسياج آمن من تشكيلات عسكرية وأمنية مزودة بأفضل الإمكانيات المتاحة تدريبا وتسليحا وإعدادا حتى غدت في مصاف الدول المتقدمة التي سبقتها بعصور عدة.
واستمد الشعب بأكمله من هذا الفكر النير الراقي نبراسا شق من خلاله طريقه نحو التقدم والرقي والبناء والتعليم، والبحث عن المعرفة من مضانها فجاب الأرض شرقا وغربا بحثا عن الحكمة والمعرفة إيمانا منه أنها ضالة المؤمن أنى وجدها فهو الأحق بها، فكان هذا البناء الفكري الذي ولّد المزيد من التآخي والتعاون والتعاضد وحب الآخر، وعدم إقصائه أو إقصاء فكره، فلا تزال كلماته – طيب الله ثراه – التي قالها في أكبر صرح تعليمي في البلاد بجامعة السلطان قابوس تتردد على أسماع الناس حينما أبان فيها أن «مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد هذه من اكبر الكبائر. ونحن لن نسمح لأحد أن يصادر الفكر أبدا، من أي فئة كانت»، مبينا: أن «ديننا الحنيف جاء من أجل العقل والفكر ولم يأت لمصادرة الفكر أبدا في أي وقت من الأوقات»، مؤكدا في كلمته تلك: «أن ديننا فيه سماحة وفيه أخلاق وفيه انفتاح، والقرآن المجيد كل آياته تدعو الإنسان إلى التفكر والتدبر» موجها خطابه التاريخي لأبنائه الطلبة: «فإياكم إياكم من أحد يصادر لكم أفكاركم بأي طريقة كانت، أكانت دينية أو غير دينية، فالإنسان منا يجب أن يفكر وأن يتدبر، ولكن دون شك أن هناك أطرا يجب أن تكون محاطة بالتفكير والتدبر».. هذا النهج القويم الذي اختطه – طيب الله ثراه – يؤكد على هذا النهج الذي تربى عليه العماني بالفطرة منذ نعومة أظفاره في بيئة لا يوجد في فكر أبنائها إقصاء للآخر بسبب اعتناق قناعة يؤمن بها ما لم يحاول فرضها أو تصديرها إلى الغير، فعاش الجميع في حب ووئام وتصالح مع الذات لا فرق بين فرد وآخر ولا فضل لأحدهم على الآخر إلا بمقدار ما يقدمه من خير لمجتمعه ووطنه وأمته، حتى ذاع خلق العماني وأصبح مقدرا أينما حلّ وارتحل وقد صدق فيهم مدح النبي الكريم: «لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك»، فالحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد فقيد الوطن برحمته الواسعة، وأن يدخله جنات النعيم مع الصديقين والشهداء والصالحين، ونسأله سبحانه أن يكون صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق- حفظه الله ورعاه- خير خلف لخير سلف، انه سميع قريب مجيب الدعاء.