«إعلان السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني» خلاصة فكر السلطان الراحل للعالم

يقوم على مرتكزات العقل والعدل والأخلاق  –

عاصم الشيدي –

قبل شهرين من الآن كان العالم على موعد مع مشروع إنساني عظيم من تلك المشاريع التي ساهم بها جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، طيب الله ثراه، كان المشروع بحجم القائد الراحل ولذلك تداعت الدول والمنظمات في العالم لحضور إعلانه المنتظر.كان الزمان 16 نوفمبر الماضي، أما المكان فكانت مدينة جاكرتا الأندونيسية. يعرف العالم أجمع الجهود العظيمة التي بذلها جلالة السلطان الراحل ويعرف حكمته ودعوته المستمرة للسلام والوئام الإنساني، ولكن كانت الفكرة هذه المرة شاملة ومن شأنها أن تصنع فارقا عالميا كبيرا فيما لو آمن بها الجميع بعيدا عن الصراعات بين الثقافات ودعوات نهاية التاريخ وصدام الحضارات وغيرها من المصطلحات التي نقرأها في كل مكان.
في ذلك اليوم أعلن عن مشروع «إعلان السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني» والذي يأتي بلورة لفكر جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، طيب الله ثراه، نحو ثقافة السلام والتآلف الإنساني وترسيخ مبادئ الأخلاق والقيم الإنسانية. وسرعان ما لقي مشروع «الإعلان» فور إطلاقه إشادة من عشرات المنظمات الأممية التي رأت فيه طريقا مهما «لحفظ كرامة الإنسان وحقوقه» واعتبرت إعلانه «يوما تاريخيا». ويقوم الإعلان على ثلاثة مرتكزات حضارية أساسية هي العقل والعدل والأخلاق. ويقترح الإعلان منهج عمل يُقدَّم للعالم «ليعينه على النهوض من جديد واستشراف حياة متوازنة، يعيش فيها الناس على أساس من الكرامة والحقوق الأساسية والأمان النفسي» وفق ما جاء في ديباجة الإعلان.
وينطلق «الإعلان» من دوافع يحددها الاضطراب الحاصل في العالم بدءا بمشكلات الفقر وحقوق الإنسان وضحايا الصراعات والحروب والتداعي الاقتصادي عبر التدافع الشرس بين الرأسمالية والشمولية والديمقراطية، إضافة إلى اضطراب المفاهيم القيمية والأخلاقية بفعل الانفتاح التكنولوجي الأمر الذي دفع إلى التفكير بعمق في مآلات العلاقات الإنسانية بشكل عام وشكل تلك العلاقات وماهيتها في المستقبل القريب أو البعيد.
ويضع مشروع الإعلان ثلاثة أبعاد ضرورية لإعادة التوازن للعالم «المضطرب» الذي نعيشه اليوم. يتمثل البعد الأول في تحسين حياة البشر عبر تحقيق المستوى الأساسي من الكرامة والحقوق والحفاظ على اللحمة الإنسانية من الفناء والاندثار، أما البعد الثاني فيقوم على أساس اعتماد منظومة أخلاقية عالمية تدفع بالناس قدما إلى توحيد التزاماتهم وجهودهم نحو حماية الإنسان والأرض وتحقيق السلام والتعايش والتفاهم. وإنَّ الاختلافات الدينية والثقافية والإيديولوجية لا تمنع، وليست عائقا، عن الإيمان بوجودنا ضمن أرضية مشتركة وقيم متحدة سواء انطلقت من أسس دينية أو غير دينية، أما البعد الثالث فيتمثل في رعاية القيم الروحية للإنسان عبر استنهاضها مع إعمال العقل والمنطق والفلسفة وعلم الكلام.
ويرتكز مشروع «الإعلان» على ثلاثية حضارية إنسانية لتحقيق التعايش والتعارف بين البشر تتمثل في العقل والعدل والأخلاق. والعقل في سياق الإعلان هو التوجه نحو التكريم الإلهي الأول لبني البشر ومقتضى هذا التكريم أن يعمل الناس لاحترام كينونتهم الإنسانية ونبذ كافة صور التمييز والتطرف والعنف والكراهية. أما العدل، وفقا للإعلان، فهو الميزان الذي بموجبه تتساوى أكف الحقوق الإنسانية الأساسية في النفس والمجتمع وفي رؤية العالم والعيش فيه والاستفادة من ثروته.. ولا يأتي العدل في هذا السياق، في مقابل القانون في الأفضلية أو التمييز، بل هو مظلة إنسانية كالعدل وبهما يبدع الإنسان في سن القوانين التي تنظم حياتهم الخاصة والعامة.
أما الأخلاق فهي مجموعة القيم الإنسانية المشتركة ذات البعد الروحي والفلسفي والتي تشكل سياجا يحمي أبعاد العقل والعدل من «الإشاحة» بعيدا عن منطلق العرف الإنساني العام، والفطرة الإنسانية الأولى وتوجيه العلوم والمعارف والمخترعات المتجددة لتكون في إطارها المحافظ وحدودها الآمنة وطريقها المنضبط.
ويركز مشروع «الإعلان» على ثلاثة موجهات أساسية متعلقة بالسلوك البشري الفردي تتمثل في تعزيز ثقافة السلام والتفاهم واحترام الحياة وتقديرها، وطمأنة الناس بالحفاظ على هوياتهم وحياتهم الخاصة وتعميق قيم الشراكة المجتمعية والقيم الاجتماعية.
وواضح من قراءة موجهات «الإعلان» أنه يبتعد عن التصنيفات والاختلافات الطبيعية بين البشر كالدين واللغة والثقافة والهوية، ويركز على الإنسان نفسه دون النظر إلى أي اعتبار آخر، لتكون بؤرة التركيز على المؤتلف الإنساني والمشتركات الإنسانية والقيم المشتركة. ولا يقصد «الإعلان» بعد قراءة تفاصيله إلى إلغاء تلك الاختلافات أو ذوبانها في نمط واحد، بل يسعى نحو تحقيق التكامل بينها في ظل التنوع الإنساني والوصل إلى العلاقات المتوازنة والقائمة على المصالح المشتركة مع الاحترام المتبادل والتقدير للقيم والثوابت التي يؤمن بها أصحابها.وبعد اطلاق «الإعلان» أكدت منظمات أممية أنها ستكون داعمة للمشروع حتى يتحول إلى وثيقة أممية يعمل العالم في إطارها باعتبارها مسعى إنسانيا وعالميا ينطلق من نهج عُمان ورؤية جلالة السلطان، طيب الله ثراه.