السلطان الراحل قابوس بن سعيد: العلم والعمل الجاد وسيلتنا لمواجهة تحديات العصر وبناء نهضة قوية

5 عقود حظيت بالتعليم المتواصل وبدأت «تحت ظل شجرة» –

تقرير – نوال الصمصامية –

كرس السلطان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور، طيب الله ثراه، اهتماما وعناية كبيرة للتعليم، واعتبره رافدا أساسيا في تنمية وازدهار البلاد، ومحورا مهما في تطوير الإنسان. وعلى مدار خمسة عقود، أولى جلالته وبرؤيته الحكيمة اهتماما بالغا لقطاع التعليم في تطوير جميع مراحل التعليم وتطوير المؤسسات التعليمية بالإضافة إلى صياغة القوانين الجديدة التي من شأنها تنمية وتطوير هذا الوطن، وفي خطابه السامي عام 1986: «إننا نعيش عصر العلم، ونشهد تقدمه المتلاحق في جميع المجالات، وإن ذلك ليزيدنا يقينا بأن العلم والعمل الجاد هما معا وسيلتنا لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء نهضة قوية ومزدهرة على أساس من قيمنا الإسلامية والحضارية». رحم الله معلم عمان الأول حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – وسدد على الخير خطى جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-

وقد اقتصرت الدراسة في السبعينات بعد الثانوية العامة على البعثات الدراسية الخارجية؛ وفي بداية الثمانينات في عام 1983م، بدأت مؤسسات التعليم العالي في السلطنة بالظهور بإنشاء المعهد المصرفي العُماني (كلية الدراسات المصرفية والمالية حاليا) وكذلك الكليات المتوسطة للمعلمين (كليات العلوم التطبيقية حاليا) في عام 1984م، كما تم في العام ذاته افتتاح الكلية الفنية الصناعية (الكلية التقنية العليا حاليا)؛ لتلبية المتطلبات المحلية من التخصصات المهنية، بالإضافة إلى إنشاء بعض المعاهد الصحية لإعداد الممرضين العمانيين للعمل بالمستشفيات الحكومية، هذا إلى جانب افتتاح معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد (كلية العلوم الشرعية حاليا) في عام 1986م لإعداد وتأهيل القضاة والدعاة.
وفي عام 1986م، افتتحت جامعة السلطان قابوس والتي تعد صرحا علميا متكاملا وإنجازا خالدا يحمل اسم جلالته – طيب الله ثراه-، وفي خطاب جلالته بمناسبة افتتاح جامعة السلطان قابوس 9-11-1986 م قال: إن افتتاح الجامعة اليوم يأتي بحمد الله ثمرة طيبة لجهود حثيثة بذلت على مدى سنوات عديدة اقتناعا منا بأهمية الدور الذي تضطلع به كدعامة قوية للنهضة التعليمية في بلادنا .. ولقد انتهجنا في إنشائها سياستنا الواقعية في التخطيط والتطبيق ولم نقلد تجربة بذاتها وإنما أخذنا بإيجابيات النظم الأكاديمية المعاصرة ضمن نظام يلائم واقعنا العماني ويعبر عن الشخصية الحضارية لشعبنا، كما وفرنا لهذا الصرح العلمي كل ما يمكنه من تقديم مستوى رفيع للدراسات الأكاديمية يلبي المتطلبات الأساسية في مجالات الطب والهندسة والعلوم والزراعة والتربية والعلوم الإسلامية فضلا عمّا هو متاح من إمكانيات للتوسع وفقا لاحتياجات كل مرحلة.. وفي هذا الإطار وتدعيما لدور الجامعة فإننا قد أمرنا بإنشاء كلية للآداب في أقرب وقت لتوفير فرص جديدة أمام أبنائنا لتلقي دراسات جامعية متخصصة في العلوم الثقافية والتقنية، وذلك انطلاقا من حرصنا على إعداد الشباب العماني لحمل مشعل العلم والفكر والمشاركة الإيجابية في صنع حاضر البلاد ومستقبلها..

عصر العلم والعمل الجاد

وأضاف جلالته – طيب الله ثراه- مخاطبا أبناءه طلبة وطالبات الجامعــة: إننا نعيش عصر العلم ونشهد تقدمه المتلاحق في جميع المجالات؛ وإن ذلك ليزيدنا يقينا بأن العلم والعمل الجاد هما معا وسيلتنا لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء نهضة قوية ومزدهرة على أساس من قيمنا الإسلامية والحضارية، وإنه ليتوجب عليكم شباب الجامعة أن تضعوا ذلك نصب أعينكم دائما وتكرسوا كل جهودكم للتزود بالعلم وبكل ما ينمي قدراتكم ويعدكم للمهام التي تنتظركم بعد التخرج لتؤدوا واجبكم الوطني المقدس وتشاركوا بكل جدارة ومقدرة في تحقيق ما نرجوه لعماننا العزيزة من تقدم وازدهار. وقد سجلت الجامعة في تاريخها يوما استثنائيا وسيبقى في ذاكرة أبنائها والعاملين فيها وذلك خلال زيارة جلالته لها لافتتاح مركز الجامعة الثقافي في 18 ديسمبر 2010م، وقد أشاد جلالة السلطان – طيب الله ثراه- بالنهضة التعليمية التي تحققت في السلطنة، بالإضافة إلى دور مؤسسات التعليم والبحث العلمي في الارتقاء بالنهضة التعليمية في البلاد. وقال في كلمته التي ألقاها أثناء افتتاحه لمبنى المركز الثقافي: «لطالما أكدنا على أهمية العلم والمعرفة وضرورة متابعة مستجداتهما بكافة السبل المتاحة بذهن متقد على أساس من التدبر والتجربة لأخذ الصالح المفيد وترك ما لا طائل من ورائه بل إننا نسعى إلى تحفيز الهمم للإضافة الجيدة في هذا المجال فمهما اجتهد المجتهدون يبقى ما وصلوا إليه شيئا يسيرا أمام بحر العلم الواسع، وما تأكيدنا على العلم النافع إلا إدراك منا بأنه هو المنطلق الصحيح لكسب المعارف ونيل الخبرات والمهارات بما يمكن هذه الأجيال والأجيال القادمة من الإسهام إسهاما فاعلا في خدمة وطنها ومجتمعها وتلبية متطلبات التنمية على بصيرة وهدى لذلك أولينا التعليم عناية تامة فأنشأنا المؤسسات الحكومية التي تعنى بجوانب التعليم والبحث العلمي وفتحنا المجال أمام القطاع الخاص بل شجعناه وقدمنا له التسهيلات المناسبة والدعم المادي والمعنوي في هذا الشأن ليعمل القطاعان في إطار المشاركة الهادفة إلى تقديم أفضل المستويات التعليمية لأبنائنا وبناتنا وفق معايير الجودة العالمية.
زيارة تاريخية

وفي زيارته التاريخية لجامعة السلطان قابوس في -الثاني من مايو 2000 ــ قال في خطابه السامي: «نفخر بهذه الجامعة ولكننا أكثر من ذلك نفاخر بكم في عمان وفي غير عمان» و«نريد لهذه الجامعة أن تكون جامعة متميزة». وأكد جلالته -طيب الله ثراه- على المعرفة المتواصلة حيث أشار إلى أن المعرفة أمر متجدد فعلينا أن نضيف لتلك المعرفة أو المعارف معارف جديدة، مشيرا أيضا في خطابه إلى أن مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد من أكبر الكبائر، وإلى عدم السماح بمصادرة الفكر أبدا. كما أن ديننا الحنيف جاء لأجل العقل والفكر ولم يأت أبدا لمصادرة الفكر في أي وقت من الأوقات. وركز في خطابه أيضا على الاقتصاد موضحا أنه ركيزة كل شي، كما أن الإنسان يبدأ البداية المتواضعة ولكنها المستمرة الدؤوبة التي لا تقف عجلتها، فالعجلة تدور وتدور وكلما دارت العجلة ازداد التقدم في هذه المجالات.
ومنذ إنشائها بموجب المرسوم السلطاني رقم (1994/‏‏‏‏2)، وانطلاقا من الرؤية السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- في الاهتمام بالعلم والتعليم وذلك عبر مقولته الخالدة سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل شجرة، فقد تبنت وزارة التعليم العالي رؤيتها لتكون نحو تعليم عالٍ ذي جودة عالية يلبي متطلبات التنمية المستدامة، كما تعمل على تطوير قطاع التعليم العالي في السلطنة، حيث أصبحت مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة ومراكزها المتخصصة في المجالات العلمية وريادة الأعمال بيئة حاضنة لصناعة القرار العلمي وبلورة الرؤية المعرفية ورسم التوجهات الاستراتيجية الرافدة لسياسات التعليم العالي. كما توسعت قاعدة تلك المؤسسات لتشمل مجالات مختلفة وتخصصات متعددة، تلبي احتياجات التنمية الشاملة وسوق العمل، وفي النصف الثاني من التسعينات بموجب المرسوم السلطاني رقم (1996/‏‏‏‏18) تم إشراك القطاع الخاص للإسهام في العملية التعليمية وذلك بإنشاء كليات ومعاهد خاصة.

منظومة التعليم العالي

وتشمل منظومة التعليم العالي بالسلطنة (69) مؤسسة تعليمية وفقًا لإحصائيات عام 2018م، موزعة جغرافيا على مختلف محافظات السلطنة، ويأتي تصنيفها بين (جامعات، وكليات جامعية، وكليات مهنية، والكلية المهنية للعلوم البحرية، وكلية عمان للعلوم الصحية، والمعهد العالي للتخصصات الصحية، والمعهد العالي للقضاء)، منها (42) مؤسسةً تعليميةً حكوميةً، تضم جامعة السلطان قابوس، و(6) كليات للعلوم التطبيقية تشرف عليها وزارة التعليم العالي، و(7) كليات تقنية تشرف عليها وزارة القوى العاملة، وكلية العلوم الشرعية وتشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، والكليات المهنية وعددها (7) كليات، والكلية المهنية للعلوم البحرية، وكلية الدراسات المصرفية والمالية ويشرف عليها البنك المركزي العماني، إضافة إلى (5) كليات من مؤسسات التعليم العالي التي تتبع الأجهزة العسكرية وهي: الكلية العسكرية التقنية، والكلية الفنية الجوية، وكلية القيادة والأركان، وأكاديمية السلطان قابوس الجوية، وأكاديمية السلطان قابوس لعلوم الشرطة. كما أقر مجلس التعليم مشروع تحويل ثلاثة عشر معهدا صحيا تشرف عليه وزارة الصحة إلى كلية.
كما ويشهد قطاع التعليم العالي الخاص في السلطنة نموا متسارعا من حيث أعداد مؤسسات التعليم العالي الخاصة ونوعياتها وتعدد وتنوع البرامج الجامعية التي تقدمها وتوزعها على مختلف محافظات السلطنة، بالإضافة إلى تنوع الارتباطات الأكاديمية والعلمية وارتفاع أعداد الطلاب الدارسين وقد بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي الخاصة في السلطنة (28) مؤسسة تعليم عال: (9) جامعات و(19) كلية خاصة، منها (23) جامعة وكلية انتقلت لمبانيها دائمة، إضافة إلى ثلاث مؤسسات تشرع في البناء حاليا في الأراضي المخصصة. وهنالك توجه للسماح بإقامة أفرع للجامعات الأجنبية المرموقة وذلك وفقا لشروط وضوابط محددة. ويجري العمل في هذه الفترة على صياغة قانون جديد للتعليم العالي تسري أحكامه على جميع مؤسسات التعليم العالي بالسلطنة، الحكومية منها والخاصة.
ويقوم مركز القبول الموحد الذي أنشئ بموجب المرسوم السلطاني رقم (2005/‏‏‏‏104)، بتنظيم عمليات قبول وتوزيع الطلبة على المقاعد الدراسية بجميع مراحلها وأنواعها، ويعد هذا المركز أحد أهم المشروعات الإلكترونية التي أنشأتها الوزارة لتحويل الخدمات المقدمة يدويًا إلى خدمات إلكترونية، لتحقيق مبدأ العدالة والشفافية.

مظلة متكاملة
لاختصصاصات التعليم

وجاء المرسوم السلطاني رقم (1998/‏‏‏‏65) بإنشاء مجلس التعليم العالي نظرا لأهمية إيجاد مظلة متكاملة لاختصاصات التعليم، ومن ثم صدر المرسوم السلطاني رقم (2012/‏‏‏‏48) بإنشاء مجلس التعليم وإصدار نظامه ليحل محل مجلس التعليم العالي، وحددت اختصاصاته برسم السياسة العامة للتعليم بمختلف أنواعه ومراحله، والعمل على توجيه التعليم بما يتفق والسياسة العامة للدولة ومتطلبات التنمية الشاملة، وبما يؤدي إلى تحقيق الأهداف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية للسلطنة، ووضع استراتيجية للتعليم في إطار السياسة العامة للدولة بالتنسيق مع الجهات المختصة، والعمل على تنفيذها.
كما وتعمل دائرة معادلة المؤهلات والاعتراف بوزارة التعليم العالي بتقديم خدمات المصادقة على الشهادات، ومعادلتها، والاعتراف بالمؤسسات والبرامج التعليمية التي من الممكن أن يلتحق بها الطلبة في مختلف مراحل الدراسة الجامعية. وتعد الملحقيات الثقافية التابعة للوزارة وعددها (6) ملحقيات في عدد من دول العالم.
وفي عام 2010م صدر مرسوم سلطاني رقم (2010/‏‏‏‏45) بإنشاء الهيئة العمانية للاعتماد الأكاديمي لتتبع مجلس التعليم؛ لتكمل بذلك المسيرة التي بدأها مجلس الاعتماد السابق في نشر ثقافة الجودة واعتماد مؤسسات التعليم العالي وبرامجه المتنوعة. وقد جاء إنشاء مجلس البحث العلمي بالمرسوم السلطاني رقم (2005/‏‏‏‏54) لتطوير منظومة متكاملة للبحث العلمي لتشكل بذلك رافدا أساسيا لتطور نظام التعليم بشكل خاص، ولخدمة مسيرة التنمية في عمان بشكل عام. وقد أدى ذلك الاهتمام المتواصل للتعليم والإنسان على مدار خمسة عقود متتالية إلى نقلة نوعية لنهوض المجتمع وتنميته المتواصلة في مختلف المجالات.