حكاية إنسان عمان في فكر السلطان الراحل – دولة للعدل والمساواة .. وحقوق الإنسان أولى أولوياته

عاصم الشيدي –

يحضر الإنسان في فكر المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بشكل كبير، باعتباره صانع التنمية وهدفها، بل يمكننا القول بكثير من الاطمئنان أن فكر السلطان الراحل في بناء الدولة الحديثة ينطلق من الإنسان وإليه، فكل محاور فكر الدولة تضع الإنسان في أولى أولوياتها، لإعداده بالطريقة التي تجعله قادرا على المشاركة في بناء وطنه وفي التعامل مع متغيرات الحياة ومواجهة تحدياتها وبالتالي المشاركة والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية.
ورغم أن الإنسان كان وسيلة التنمية ووسيلة الحضارة إلا أن التنمية لم تكن في يوم من الأيام هدفا وحدها بل كان الهدف الأساسي هو الإنسان، وكل تفصيل مهما كان مستواه لا يخرج عن خدمة هذا الإنسان الذي بقي كل شيء يعمل من أجله.. وهذا ما كان السلطان قابوس -طيب الله ثراه- يؤكده في كل مناسبة «التنمية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي من أجل بناء الإنسان الذي هو أداتها وصانعها». في البيان التاريخي الأول الذي ألقاه السلطان قابوس -رحمه الله- مخاطبا شعبه من ظفار تحدث عن السعادة: «سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل، وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب».
ولا شك أن تلك السعادة تكمن في تفاصيل كثيرة يأتي في مقدمتها تمتع الإنسان بحقوقه الطبيعية المتعارف عليها والتي أقرتها الرسالات السماوية والدين الإسلامي بشكل خاص، ونظمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتفاصيله.
والذي يعرف تفاصيل مرحلة ما قبل عام 1970 في عمان يستطيع أن يعرف الدلالة العميقة لكلمة «السعادة» التي تحدث عنها فقيد الأمة في أول كلمة وجهها لشعبه، وسيعرف حاجة العمانيين الماسة لتلك السعادة التي يتحقق معها ولو الحد الأدنى من متطلبات أي تجمع بشري يعيش في نهايات القرن العشرين.
يقول السلطان في خطاب له بمناسبة العيد الوطني في نوفمبر من عام 1974 «لقد كانت خطتنا في هذا المجال طموحة، تستهدف الإنسان العماني وتعويضه ما فات وكان عمادها في تنفيذها الإنسان، فالإنسان هو صانع التنمية، فيجب أن يكون هدفها إسعاده، وإعداده ليعطي بلاده أحسن ما عنده من إنتاج». والمتتبع لفكره -طيب الله ثراه- المستمد من خطاباته وحواراته وأحاديثه الصحفية ومن القوانين التي يصدرها لتنظيم الدولة يتلمس مكانة الإنسان وحقوقه في هذا الفكر دون أن تقف «متطلبات المرحلة وظروفها» أمام المساس بتلك الحقوق.
فنحن نقرأ في خطابات السلطان الراحل الأولى مقولة توجيهية ستتحول مباشرة إلى ما يوازي القانون الدستوري: «إن الجميع في هذا الوطن سواسية لا فرق بين صغير وكبير وغني وفقير، فالمساواة تفرض أن يكون الكل أخوة في ظل العدالة الاجتماعية الإسلامية والميزة والتفاضل بمقدار الإخلاص والكفاءة في العمل». وهذه المقولة تشكل عتبة مهمة من عتبات قراءة حقوق الإنسان في فكر السلطان الراحل باعتبارها الأرضية التي ينطلق منها المنهج الذي سار عليه فكر الدولة الحديثة في عُمان الذي يضع جميع المواطنين على قدم المساواة في الحقوق والواجبات والتي من بعدها تأتي بقية الحقوق وتنطلق.
وحينما نقرأ هذه المقولة ونضعها في سياق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نجدها منسجمة تماما مع المادة الأولى من الإعلان.
وحتى نعرف أهمية هذه المقولة مطلع سبعينات القرن الماضي علينا أن نقرأها في سياقها التاريخي الذي قيلت فيه حينما كان السلطان يضع أساسيات بناء الدولة الحديثة وما كان يعترض كل ذلك من التباسات المرحلة التاريخية وما يحيط بها من تجاذبات سياسية داخلية وخارجية والتي كانت تدعو إلى صرامة أمنية يمكن للحكومات، أحيانا، أن تبررها في ظل سعيها لتثبيت الاستقرار على الأرض، إلا أن فكر السلطان قابوس -طيب الله ثراه- كان ينطلق من فكرة أن حقوق الإنسان الطبيعية هي التي من شأنها أن تصنع الاستقرار وتعزز استتباب الأمن، وذلك ما كان، وذلك ما درجت عليه السياسة في عُمان.
وإذا ما قرأنا الخطاب الأول الذي وجهه الراحل إلى شعبه يوم 9 أغسطس من عام 1970 ـ والذي يعتبره الكثيرون وثيقة أساسية من وثائق حقوق الإنسان ـ سنعرف العقد الاجتماعي بين القائد وشعبه وهو عقد كان أحد أركان الحكم وأحد أسباب الاستقرار الذي تعيشه عُمان اليوم، لأنه قائم في كل جمله على إرساء حقوق الإنسان بشكل تكاملي.
في ذلك الخطاب أكد السلطان -طيب الله ثراه- على أحقية كل مواطن في الحصول على أرض يبني عليها المسكن الذي يحفظ له كرامته، وهذا حق أصيل من حقوق الإنسان، وفيه يأمر السلطان بإعادة الجنسية العمانية للمبعدين من العمانيين: «ندعو من فقد منكم جنسيته العمانية أن يعود إلى صفوف الوحدة في سلطنة عمان، لقد أصدرنا أمرا أن يعاد النظر فورا في تنظيم الهجرة والجوازات كما أمرنا رئيس الوزراء أن يقدم توصياته حول كيفية إعادة الجنسية لإخواننا المبعدين»، وهذا الأمر علاوة على أنه حق أصيل من حقوق أي مواطن في أن يحتفظ بجنسيته فإنه كان أمرا يؤرق العمانيين في الخارج وكذلك المبعدين خارج عمان في تلك المرحلة من تاريخ الوطن.
ومن بين المقولات المهمة في ذلك الخطاب والتي أصبحت شعارا من شعارات المرحلة قول السلطان الراحل: «إليكم أولى الممنوعات التي أمرنا برفعها، إنني أرغب أن يكون مواطنو هذا البلد وأفراد عائلاتهم أحرارا في التنقل داخل البلاد والسفر إلى الخارج بدون قيود»، كان التنقل في الداخل العماني أمرًا صعبًا جدًا، فيما كان السفر أحد المستحيلات التي لا يحصل عليها العماني إلا بعد عناء كبير.
وإذا كانت الحرية فضاء واسعا باعتبارها العتبة الأولى من عتبات بناء منظومة حقوق الإنسان في أي دولة فمن المناسب أن نستعيد رد السلطان قابوس -طيب الله ثراه- على سؤال جريدة الجمهورية المصرية في الحوار الذي أجرته معه في يوليو من عام 1972 عندما سألته عن الحريات العامة التي يحرص عليها العمانيون وما إذا كانت ستمس في ظل «الظروف» التي يشهدها الوطن قال غفر الله له: «إن أكثر الناس قدرة على الحفاظ على الحرية، هو المواطن نفسه، إذا استطاع أن يستعمل حريته في الحدود المعقولة والمقبولة، فلن يعرضها لأي خطر، والحرية، في تصوري، لا تعطى بقانون، فقد ينص القانون على أمور تقيد الحرية، وقد ينص القانون على أمور يمكن أن نختلف في تفسيراتها، وقد تختلف نظرة القانون عن نظرة المواطن بالنسبة لقضايا قد يتصور إنها من صميم حريته لكن الحرية تتوقف على رغبة المواطن في الحفاظ عليها وعلى كيفية استخدامها، والصحافة يمكن أن تلعب دورا رئيسيا في صيانة الحريات، وتأكيدها وتدريب المواطن على ممارستها، وفي تصوري أيضا أن الصحافة يمكن أن تعلب دورا في تمكين كل مواطن من ممارسة حق التعبير عن رأيه وعن مشاعره».
وعودة إلى الخطاب/‏ الوثيقة الحقوقية لنقرأ ما قاله الراحل: «إن أرض عماننا الحبيب وترابه المقدس هو ملك لكل عماني يعيش عليه ويتمتع بخيراته ويدافع عنه بروحه»، لم تكن هذه المقولات عابرة أو خطابا على عتبات مرحلة تغيرية ينتهي مفعولها سريعا بل تحولت سريعا إلى قوانين وإلى مواد النظام الأساسي الذي يقوم مقام الدستور في البلاد.
ولما كانت الرؤية الحقوقية واضحة منذ البداية كان البناء الفكري متناسقا أيضا، ولذلك فإن أكثر ما يتحدث عنه الذين يكتبون عن عُمان من الكتاب المستقلين هو تصالح الشعب العماني مع نفسه ومن ثم مع قيادته.
أما التصالح مع النفس فهو فعل تراكمي تاريخي نتيجة معرفة العماني بتاريخه العريق وبإسهاماته في البناء الإنساني وهذا أكسبه الكثير من الرزانة والكثير من الثبات، أما تصالحه مع قيادته فلأنه وجدها ملبية لمتطلباته ولحقوقه الإنسانية في المقام الأول وتعمل جاهدة على توفير كل متطلبات المرحلة الزمنية التي يعيشها دون المساس بأصالته في مزج موفق بين الأصالة والمعاصرة.