قلمي هنا.. لكنك لا تقرأه!

تونس المحروقية
الحسـاب فـي تـويتـر
@hlaa202020

في اليوم الأول من الصف الأول الابتدائي مثلما كان يطلق عليه في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي تعرفت عليه، عندما قالت لنا معلمة من إحدى الجنسيات العربية إننا سنبدأ صباحاتنا في تلك المدرسة بأن نردد عدداً من الأبيات وفيها بيت (أبشري قابوس جاء، فلتباركه السماء وأسعدي والتقيه بالدعاء) وكان أن بدأنا كل يوم بذلك النشيد الذي عرفت لاحقاً أن اسمه السلام السلطاني والذي رافقنا في كل صباحاتنا الدراسية وعوقبنا كثيراً من قبل إدارة المدرسة بسبب عدم الصدح بأصواتنا ونحن نردده في صباحات شتاء كسولة.
كبرنا قليلاً وحفظنا ذلك الاسم نشيداً جميلاً في قلوبنا، ثم جاءت المرحلة التالية من ذلك الاقتراب من صاحب ذلك الاسم عندما كانت إدارة مدرستنا تخبرنا أننا سنخرج للاصطفاف على الشارع الرئيسي للولاية في بعض أيام العام الدراسي لأن والدنا السلطان قابوس بن سعيد المعظم سيمر عبره، في طريقه المؤدي إلى مخيمه السلطاني الذي سيقيم فيه لعدد من الأسابيع، كنا أيامها في المرحلة الإعدادية حسبما أتذكر أي في الصفوف من السابع إلى التاسع وكنا قد بدأنا نتعرف على هذا الرجل المهم من خلال نشرات الأخبار التي تقدم لنا كل يوم ما يفتتحه من مشاريع تحول عمان إلى حضارة عمرانية تتحقق أركانها بسرعة ملفتة، لذا كنا لا ننسى أن نقطف الورد الذي يصطبغ بلون زهري محبب من ساحة المسجد الذي يحمل اسمه كي نمطر به سيارته التي اعتاد ركوبها في تلك الجولات محبة له ورغبة في الترحيب به، تلك السيارة ذات اللون الأخضر الفاتح الذي لم نكن نرى لوناً يشبهه في كل السيارات التي تمر في شوارع ولايتنا التي لم تكن معبدة، وكأن ذلك اللون قد تم مزج مكوناته ليلون فقط سيارته وسيارات موكبه، كنا ننتظر ساعات طويلة ذلك الموكب ممنين أنفسنا بأن نراه عن قرب وألا يكون مسرعاً يومها كي نتمعن في تفاصيل شكله الذي حفظناه بمشاهدتنا له في شاشة التلفزيون الملون في منازلنا، لكن كنا لا نزال نرغب في المقارنة بين حضوره الذي يظهر في التلفزيون وفي الحقيقة، لذا كنا ننبه بعضنا بأنه عندما نرى سيارة الشرطة تتقدم فإن ذلك يعني أن الموكب سيليها بقليل، هكذا قيل لنا في مرات سابقة لذا كانت قلوبنا ترتجف عند مشاهدتها عن بعد وهي تتقدم، ثم تأتي تلك اللحظة المرتقبة التي يمر فيها بسيارته فتتجمد أوصالنا والصورة التي التقطتها أعيننا في ذاكرتنا عمرا منبهرين بهيبة رؤيته لدرجة أن أغلبنا كان يردد بعدها: شعرت بقشعريرة أو مر كأنه حلم وغيرها من التعبيرات التي توحي أن رؤيته لا تشبه رؤية أي شيء آخر وأنها لحظة يحسبها الفرد منا من لحظات العمر التي يتوقف عندها.
في البيت كان والدي يعزز في قلوبنا قيمة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم بحديثه عن تجربة تغرّبه من أجل الحصول على لقمة العيش وتأكيده على أن الفرد منا لا يجد عزته إلا في وطنه وأن الوضع قبل عهد جلالته كان صعباً لدرجة، يتفاخر والدي في كل مرة يخبرنا فيها أنه قد عرض عليه الحصول على جنسية إحدى الدول التي عمل فيها ولكنه رفض وأصر على الاحتفاظ بالجنسية العمانية رغم الظروف الصعبة التي كانوا يعيشونها وقتها والتي يتذكرها بحرقة ووفاة والدته وهو في تلك الغربة دون أن يشهد لحظاتها الأخيرة، يخبرنا أيضاً أننا نعيش في وقت رخاء وأن كل شيء أصبح متوفراً وهذا ما لم يكن ليتحقق لولا مجيء السلطان قابوس إلى سدة الحكم، يقف في كل مرة يرى فيها وجه السلطان قابوس يطل عبر شاشة التلفزيون، فيظهر لنا كم هو ممتن لوجود هذا الرجل الذي خرج بعمان من نفق الظلام إلى نور الحياة التي نتمتع به اليوم، كنا نستمع لتلك الحكايات وما حدث قبل تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مقاليد الحكم في البلاد بشغف ونرى التطور الذي يحدث كل يوم في ولايتنا، كالشارع المعبد الذي ظهر أمام منزلنا والمدارس التي تعددت والمستشفى وغيرها الكثير من الإنجازات التي تحققت أمام أعيننا في التسعينات من القرن الماضي والتي لم نحتج فيها أن يخبرنا أحد من مواليد ما قبل السبعينات أن هذا الرجل لم ينس أي ولاية من ولايات السلطنة ، ولم يترك شبراً من عمان دون تطوير.
في جولات جلالته السامية للمحافظات كان يعرف عنه أنه في الفترات المسائية يقود إحدى السيارات العادية بمفرده بدون موكب، والتي قد لا تظهر هويته ليتلمس حاجات الناس، فيستمع لمن يجده في طريقه ويتأكد أن الشعب بخير، فجلالته لم يكن يعتمد على التقارير التي تصله في مكتبه وهذا أيضاً بحسب تصريح صرّح به لإحدى وسائل الإعلام الغربية بل كان يذهب إلى المواطن حيث هو ليتعرف على احتياجاته، وقد راجت قصة في ولايتنا لأحد المواطنين الذين شاءت الصدف أن يجده السلطان قابوس في طريقه فينال شرف أن يتحدث معه، فكان من الشخص أن طلب وظيفة في مكان مهم، ولأن جلالته يحرص على العلم فقد سأله بحسب القصة التي انتشرت يومها في منتصف التسعينات من القرن الماضي: أين قلمك ؟ وجلالته يقصد ما هي شهادتك؟ ، فأبدى له الشخص أنه لم يكمل دراسته، فقال له جلالته: أكمل تعليمك إذاً قبلها ثم لنرى، هذه القصة تداولها الناس وهم يلومون الشخص بقولهم لو أنه طلب وظيفة بسيطة لكان قد نالها، لكن الطمع قلل ما جمع، كانت نظرتي مختلفة للأمر فقد أعطتني هذه الحادثة رؤية واضحة لأهمية العلم واهتمام جلالته بأن يكون المواطن متعلماً تعليماً جيداً، فمنذ سمعتها وأنا أضع التعليم هدفاً في ذهني، كي أكون جاهزة عندما التقى الوالد السلطان وأقول له: لدي من الشهادات كذا وكذا وكذا ليس طمعاً في مكسب ما، بل كي أرى ابتسامته التي أحبها تشرق على ملامح وجهه البهي، لكن ذلك اللقاء لم يحدث أبداً!
ثم كان أن تقودك أقدارك للسفر شرقاً وغرباً وترى حجم احترام الناس لكونك من بلد يدعى سلطنة عمان، بل أن يقول لك البعض أنت من بلد السلطان قابوس، ويتعاملون معك بشكل يليق وتقديرهم لبلدك ذي السمعة الطيبة دولياً، هذا يجعلك تعي قيمة هذا الرجل بالنسبة للمجتمع الدولي بعد أن لم يصبح لديك ذرة شك فيما قدمه من تعمير في الشأن المحلي، فالثوابت التي أرساها موجودة بداخل الإنسان العماني قبل نهضة العمران في المعالم والأماكن، لذا لا عجب أن يستمتع العمانيون بترديد أننا تخرجنا من المدرسة القابوسية، وذلك دلالة على أن هذا الوالد السلطان حرص على الأخلاق العمانية وتعزيزها لدرجة أنه أصبح كأنه مدرسة ينهل منها العمانيون أسلوب حياتهم وتعاملاتهم في الداخل والخارج.
في فجر السبت الموافق الحادي عشر من يناير أعلن خبر رحيل أعز الرجال وأنقاهم، فتوشحت قلوب العمانيين بالسواد، وفي قمة ذلك الحزن كان لسان حالي يقول: والدي السلطان قلمي هنا ويبكيك جداً لكنك لا تقرأه، رحمك الله!

جريدة عمان

مجانى
عرض