اللبنانيون في الشوارع مجددًا مع تعثر تشكيل حكومة وتدهور الاقتصاد

عون تحدث عن عراقيل حالت دون ولادتها –

بيروت – (أ ف ب): عاد المتظاهرون مجددًا إلى الشوارع أمس في عدد من المناطق اللبنانية احتجاجا على تعثّر تشكيل حكومة وازدياد حدّة الأزمة الاقتصادية والمالية، بعد ثلاثة أشهر من انطلاق تظاهرات غير مسبوقة ضد الطبقة السياسية.
وتداول ناشطون ومجموعات بارزة في التظاهرات دعوات للتحرك في «أسبوع الغضب»، وإلى تنظيم مسيرات سيّارة وقطع الطرق ومشاركة المدارس والجامعات، والتظاهر أمام منزل رئيس الحكومة المكلف حسان دياب الذي تعهّد منذ تكليفه قبل نحو شهر بتشكيل حكومة اختصاصيين.
وعمد المتظاهرون إلى قطع طرق رئيسية في محيط بيروت وعدد من المناطق بالإطارات المشتعلة ومستوعبات النفايات، ما تسبب بزحمة سير خانقة.
وتجمّع عشرات الشبان أمام البنك المركزي في بيروت وفروعه في المناطق وسط استنفار أمني، مرددين هتافات مناوئة للمصارف والقيود المشددة التي تفرضها على سحب الأموال.وقالت المتظاهرة ليلى يوسف (47 عاما) في محلة فرن الشباك قرب بيروت، بينما كان شبان يقطعون الطريق: «سنعاود قطع الطرق لأننا لم نعد نقوى على التحمّل أكثر».وأضافت «ما نجنيه (من المال) لا يكفينا لشراء حاجات المنزل» في خضم أسوأ أزمة اقتصادية في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990).
وخسر عشرات آلاف اللبنانيين وظائفهم أو جزءًا من رواتبهم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، ويشكو اللبنانيون من تقلص قدرتهم الشرائية مقابل ارتفاع الأسعار وعجزهم عن تسديد التزاماتهم المالية.
وتقترب الليرة اللبنانية من خسارة نحو نصف قيمتها عمليًا. ففيما لا يزال سعر الصرف الرسمي مثبتًا على 1507 ليرات مقابل الدولار، ولامس الدولار عتبة 2500 ليرة في السوق الموازية.
وتفرض المصارف قيودًا مشددة على عمليات السحب بالدولار، وتشهد فروعها بشكل شبه يومي إشكالات يثيرها زبائن يريدون الحصول على أموالهم.
وقال متظاهر غاضب (75 عاما) في محلة جل الديب شمال بيروت عرّف عن نفسه باسم «ثورة»، «لم يجد الزعماء ما يسرقونه، ولكي يُذلوا الشعب اللبناني شكلوا مافيا مع المصارف»، متسائلًا «هل يُعقل أن يرتفع الدولار بين ليلة وضحاها من 1500 إلى 2500 ليرة؟».
– «عراقيل» – ومنذ 17 أكتوبر، خرج عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع والساحات وقطعوا الطرق احتجاجا على أداء الطبقة السياسية التي يتهمها المتظاهرون بالفساد ويحمّلونها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي وعجزها عن تأهيل المرافق وتحسين الخدمات العامة الأساسية.
وتسببت هذه الاحتجاجات باستقالة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، ومن ثم تكليف دياب تشكيل حكومة إنقاذية في 19 ديسمبر، وتراجعت منذ ذاك الحين وتيرة التظاهرات لتقتصر على تحركات تجاه المصارف أو تجمعات ونشاطات رمزية، في ما بدا إفساحا في المجال أمام دياب لتشكيل حكومة جديدة. ويطالب المتظاهرون بالإسراع في تشكيل حكومة تنصرف لوضع خطة إنقاذية للاقتصاد، ومنذ تكليفه، لم يتمكن دياب من تشكيل حكومة يريدها مصغّرة ومؤلفة من اختصاصيين تلبية لطلب الشارع، فيما تنقسم القوى السياسية الداعمة لتكليفه حول شكلها، ويطالب بعضها بحكومة تكنو سياسية.
وتحدّث دياب الجمعة عن «ضغوط» يتعرض لها، إلا أنه أكّد في الوقت ذاته أنه «مهما بلغت، لن تغير من قناعاتي ولن أرضخ للتهويل». وأقر رئيس الجمهورية ميشال عون أمس، في كلمة ألقاها خلال استقباله أعضاء السلك الدبلوماسي في لبنان، بأن «بعض العراقيل حالت دون» ولادة الحكومة التي يجب أن يكون لديها «برنامج محدد وسريع للتعامل مع الأزمة الاقتصادية والمالية الضاغطة، ومجابهة التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وكل المنطقة».
وأعلنت قوى سياسية عدة عدم نيتها المشاركة في الحكومة على رأسها «تيار المستقبل» بزعامة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الذي استقال في نهاية أكتوبر على وقع غضب الشارع. – «نحو الانهيار» – وأعرب المتظاهر سعيد طوق (60 عاما)، وهو جندي متقاعد، عن اعتقاده بأن القوى السياسية «لن تتمكن من تشكيل حكومة مع تمسّك كل طرف بوزاراته». وقال: لم يعد بإمكانهم أن يفرضوا أنفسهم علينا نحن الشعب اللبناني. ليرحلوا، لقد فقّرونا وجوّعونا، لا ماء ولا كهرباء والفساد مستشر. ماذا ننتظر بعد؟». وتأمل القوى السياسية أن يفتح تشكيل الحكومة الباب أمام تقديم المجتمع الدولي مساعدات ملحة يحتاج إليها لبنان لتفادي انهيار اقتصادي أكبر، بينما يعيش ثلث سكانه تحت خط الفقر، بحسب الأمم المتحدة، ويشهد أزمة سيولة حادة وارتفاعا في أسعار المواد الرئيسية.
وتعدّ الأزمة الاقتصادية الراهنة وليدة سنوات من النمو المتباطئ، مع عجز الدولة عن إجراء إصلاحات بنيوية، وتراجع حجم الاستثمارات الخارجية، عدا عن تداعيات الانقسام السياسي الذي فاقمه النزاع في سوريا. وارتفع الدين العام إلى نحو تسعين مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 150% من إجمالي الناتج المحلي.
وفي مدينة طرابلس (شمال)، أكد علاء خضر (30 عاما) لفرانس برس رفض تشكيل «حكومة محاصصة» سياسية، موضحًا أنه لا يمكن للفرقاء السياسيين «أن يسموا مستشاريهم وزراء ويقولوا لنا إن هؤلاء مستقلين وتكنوقراط». ودعا إلى الإسراع في تشكيل حكومة إنقاذ لأن «الوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل الانتظار ولبنان ينحدر نحو الانهيار» الكامل.