سيرة نضرة على مدى العصور وغايات بعيدة

عماد البليك –

ها هي عُمان تتوشح بالأحزان، والأسى، البلاد التي عرفت جلالة السلطان قابوس طيّب الله ثراه نورها وحادي ركبها منذ أن أطلّ على هذا الوطن رجاء في برهة من الزمن، وكان الحلم يتضح والطريق يتسع وتتحقق التطلعات مع الأيام والسنين، حتى ليكاد ما عاشه هذا الوطن يكون معجزة، وهو أقرب لذلك، لاسيما للذين مشوا المسافة الفاصلة بين زمنين، ما بين كان وما هو قائم اليوم.
عُمان اليوم هي أرض السلام والإخاء والتسامح والمحبة، هي التي ترحب بكل الأشقاء والأصدقاء، وتشيد جسور التعاون مع الكل، وفي الوقت نفسه تعزز نماءها الداخلي وتمضي في سيرة نهضتها التي أسس لها جلالة الفقيد السلطان قابوس المعظم، الذي لا تحصى مآثره على الصعيد المحلي أو الخارجي، وليس أبلغ من ذلك المشهد الذي عاشته عمان في كافة ربوعها من أسى على الفقد الجلل..
مشهد لا تحتويه الكلمات ولا تلخصه العبارات، فاللغة تعجز أمام هذه الصورة التي تجسد حجم الحب والعرفان لهذا القائد العظيم.
إن صورة عمان الحديثة وعلى مدى التاريخ البعيد سوف ترتبط ذهنياً بجلالة السلطان قابوس طيّب الله ثراه، الذي أسس لهذه النهضة العملاقة، كمن يحيكُ سجّادة فارهة يعمل بدقة وتأن وإخلاص ومثابرة ويؤمن بأن لكل مجتهد نصيب، وأن عناية الله ترعى المخلصين، وأن كل نجاح هو وليد عمل وجهد جهيد، وأن للأوفياء تاجا لابد أن يلبسوه ذات يوم.
حكمة قابوس المفدى لا تلخيص لها، فهي عزة وكرامة وطباع لا وصف لعظمتها ورقيها، تحكي عن ذلك الإنسان الكريم والشهم والأصيل الذي ضرب القدوة والمثل لكل العمانيين، فإذا نظرت إليه رأيت صورة عمان وشعبها وأرضها.
لقد كان من الصعب الفصل بين الصورتين صورة الوطن وصورة القائد، ذلك الميراث الذي سيبقى للأجيال تستلهم منه خطى المستقبل المشرق والحياة الأفضل، فالأوطان تنهض من خلال التأسيس القوي والمفاهيم الراسخة والقيم التي تأتي وفق حكمة وأصالة وتوازن ومنهج قائم على الاستيعاب لمقتضيات الحياة بكل هدوء دون قفز على المراحل أو استعجال، ليكون هذا هو ديدن السياسة العمانية في كل مساراتها وعبر كافة تجلياتها.
اليوم تدخل عمان بوابة المستقبل في مرحلة جديدة وهي تسير على ميراث السلطان الراحل طيّب الله ثراه، حيث أراد لهذه النهضة والمنجزات أن تصبح أمانة للأجيال تحافظ عليها وتصونها وتبني إضافة عليها لتقود السلطنة إلى التصور البعيد الذي كان القائد الفقيد يتصوره، بأن يرى عمان في مصاف الدول المتطورة على كافة الأصعدة، وهو مسار مستمر مع القيادة الجديدة التي توسّم فيها جلالة السلطان قابوس الخير والسداد وتحمل الأمانة والسير بالبلاد إلى الغايات البعيدة.
إن المشهد الكبير وراء تلك السردية العميقة عن عمان تلخصها الأيام السابقة بكل بساطة، ذلك التاريخ الذي يكتب نفسه لكل العالم ليراه جلياً، سلاسة في انتقال السلطة وهدوء واتزان وحكمة، وحرص كبير من الجميع بالمحافظة على أمن واستقرار هذه البلاد ونهضتها، وصيانة للمنجزات ورعاية للعهود، كل ذلك يتضح من خلال الحصافة والأمانة والدقة والالتزام في إدارة المرحلة ما يقدم درساً للمتأمل.
وإذا كان من طباع القائد الفقيد قابوس المعظم النظام والدقة والالتزام، فالعهد قد سار مع أبنائه الأوفياء الذين حافظوا على إرثه وميراثه وصوره ذلك البلد الطيب وأهله الحريصون على مستقبله وسماته المتأصلة أمام العالم، وليس أبلغ من شهادات الزعماء وقادة الدول في العالم المتقدم، كيف أنهم يشهدون على ما عاشته عمان في عهد النهضة المباركة وفي هذه الأيام من سلاسة ونظام وانتظام.
لقد قام مجلس الدفاع بالتعاون مع العائلة المالكة وبكل حرفية وحنكة في إدارة مرحلة حساسة انتهت بهذا الهدوء المعتاد الذي عرفت به عمان بين الأمم والشعوب، فهي تلك الصورة الوضاءة التي تفرح القلب وتطرب كل إنسان يحب هذا البلد وحريص على مستقبله وإنسانه، وكان لموقف العائلة الكريم أيضا التقدير وهي تتحلى بالحكمة ذاتها المتوارثة والحرص على ميراث عمان وسلطانها الراحل، باتجاه مزيد من النهضة المستقبلية بتوجيهات القيادة الجديدة جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم – حفظه الله ورعاه -، حيث أكد في كلمته بعد أداء قسم اليمين سلطاناً للبلاد، على السير بذات العهد والخطى والطريق القويم.
إن سيرة عمان الحديثة بالاستناد إلى تاريخها المتجذر،هي قصة واحدة تأخذ من الجذور إلى الأوراق في شجرة عتيقة باقية بإذن الله وبتضافر الجميع، وهم يكنون بالحب لهذه البلاد والولاء لسلطانها وقيادتها الحكيمة، مع التطلع المستمر بأن المستقبل سيكون أكثر إشراقاً وهو مرسوم بالآمال، ومع عون الله وتوفيقه وسداده لابد أن الخطى واصلة والطريق معبد والنور يضيء الأفق البعيد.
ويبقى في الخلاصات حيث لا تلخيص لهذا المشهد الذي تتداخل فيه مشاهد يصعب فرزها ما بين القلب والعقل، إن الإحساس الذي يحسه كل محب لهذه الثرى أن بلاده ستكون في أمان وأن النهضة سوف تنشد غايتها إلى الأماني المرتجاة، وأن سيرة الوطن ليست مجرد كلمة تقال بل هي مسؤولية عظيمة ملقاة على عاتق كل إنسان بأن يتحمل واجبه وينشد سبيل الصلاح ويعمل بكل جد وإخلاص، ليرى الثمرات، التي هي آتية بتوفيق الله.
حفظ الله هذه البلاد ووفق قيادتها وأهلها بأن تمضي إلى الطموحات الكبيرة والبعيدة التي كان السلطان الراحل يتطلع إليها، وما مات السلطان قابوس فأبناؤه باقون وإرثه باق وميراثه سيكون شاهداً على مدى التاريخ، وعُمان هي تلك الأرض الطيبة التي تتقلد مجدها من خلال كفاح أهلها وسيرتها النضرة على مدى العصور.