ثلاث ساعات أجابت عن أسئلة دولية استمرت لسنوات طويلة

انتقال سلس للحكم على الطريقة العمانية.. وسياسة راسخة كما أرساها السلطان الراحل –

كـــــــتب : عاصم الشيدي –

كان أبرز سؤال يطرحه المراقبون والمحللون في السياسة الدولية حول عُمان في السنوات الماضية هو «كيف ينتقل الحكم في عُمان في ظل عدم وجود وريث معلن للعرش؟» وفي حال نجاح انتقال الحكم بشكل سلسل «ما هي سياسة السلطان الجديد؟ وهل ستكون امتدادًا لسياسة جلالة السلطان قابوس التي تمثلت في الهدوء والحكمة وعدم الانحياز إلا للحق وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير» وهي السياسة التي أكسبته -طيب الله ثراه- مكانة عالمية ورسّخت عمان باعتبارها واحة أمن وأمان. كانت إجابة السؤال الثاني هي الأهم بالنسبة للعالم نظرًا للمكانة الاستراتيجية والتاريخية التي تحتلها عُمان ونظرًا للأدوار التي تستطيع وحدها القيام بها في المشهد العالمي.
كانت هذه الأسئلة منطقية جدًا في ظل معرفة العالم بمحورية عُمان في المنطقة العربية وحساسية موقعها. ولكن المشهد الداخلي لم يكن متخوفًا كثيرًا من عملية الانتقال في الحكم نظرًا للمعرفة الدقيقة بأن عُمان دولة مؤسسات وأن للمؤسسات قيما تاريخية متراكمة عبر الزمن حتى لو قلنا أنها مؤسسات حديثة، ولكن قيم المجتمع العماني منعكسة فيها وفي تشكيلها، وأن المؤسسة العسكرية العمانية تتحلى بالانضباط التام، والقوة، والإخلاص، وتحترم العهد والميثاق الذي قطعته على نفسها أمام السلطان المؤسس في الحفاظ على أمن وأمان هذا البلد العريق وتطبيق نظامه الأساسي بشكل دقيق. وأن الأسرة المالكة أسرة عريقة جدًا وتاريخها الوطني مشرق وتعرف في لحظة الحقيقة مسؤولياتها التاريخية.
وقد أثبتت أنها على مستوى عال من الوعي بذلك التاريخ وبحساسية المرحلة وبتقديرها العظيم للسلطان الراحل ولذلك جرى كل شيء في هدوء تام وأعطت عمان درسًا للتاريخ عبر كل مؤسساتها وعبر شعبها الواعي بمكانة بلده وبالتحديات التي تحيط به في لحظة تاريخية مثل تلك اللحظة. وخلال ساعتين طيرت وكالات الأنباء العالمية برقياتها بأن الأمر في عُمان تم بهدوء وحكمة وأن سلطانا جديدا أدى القسم. وهذا ما لم يتصوره أكثر المتفائلين من المحللين السياسيين وكتاب المقالات التقارير التي ملأت خلال السنوات الماضية الصحف والمجلات والمواقع الإخبارية.

وإذا كانت إجابة السؤال الأول قد وصلت للعالم خلال ساعات قليلة تلت بيان نعي جلالة السلطان قابوس للأمة فإن إجابة السؤال الثاني تلته مباشرة، حيث ألقى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد كلمته الأولى للوطن والأمة والعالم حدد فيها معالم السياسة التي سيتبعها في قيادة عمان في المرحلة القادمة. ورغم أن خطابًا كهذا في يوم تاريخي واستثنائي من أيام عمان لا يمكن اختصاره في عبارة واحدة، لكن لا بأس من المجازفة والقول إن أهم ما كان ينتظره الجميع العبارة التي حملت فكرة جلالة السلطان هيثم بن طارق أنه «سائر على طريق سياسة السلطان الراحل». وهي الفكرة التي طارت سريعًا وبثتها وكالات الأنباء العالمية قبل أن تنتظر اكتمال الخطاب.
بدأ جلالة السلطان هيثم بن طارق خطابه بوضع السلطان الراحل في مكانته الحقيقية في تاريخ عمان وتاريخ المنطقة حين وصفه «بأعز الرجال وأنقاهم» وفي هذا ما فيه من نبل وأخلاق كريمة وعالية من رجل كريم لرجل كريم. وقال جلالته في كلمته التاريخية: «لقد شاءت إرادة الله سبحانه أن نفقد أعز الرجال وأنقاهم المغفور له بإذن الله حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -رحمه الله- رجل لا يمكن لخطاب كهذا أن يوفيه حقه، وأن يعدد ما أنجزه وما بناه فلقد بنى دولة عصرية شهد لها القاصي قبل الداني وشيد نهضة راسخة تجلت معالمها في منظومة القوانين والتشريعات التي ستحفظ البلاد وتنظم مسيرتها نحو مستقبل زاهر أراده لها وأقام بنية أساسية غدت محطة أنظار العالم وأسس منظومة اقتصادية واجتماعية قائمة على العدالة وتحقيق التنمية المستدامة وزيادة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل، مما أدى إلى رفع مستوى معيشة المواطن وأقام هياكل ثابتة ودائمة للتعليم بجميع مستوياته وتخصصاته فنهلت منه الأجيال وتشربت علمًا ومعرفةً وخبرةً فجزاه الله خير ما جزى سلطانًا عن شعبه وبلده وأمته وأنزله منازل الصالحين وجعل مثواه في جنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر وهيأ لعمان أسباب العز والازدهار والتمكين».
وأمام هذا الاعتراف بمكانة رجل عظيم من عظماء عمان، انتقل جلالة السلطان هيثم بن طارق لترجمة ذلك الإعجاب وتلك المكانة عبر الإقرار بالسير على نهجه القويم والتأسي بخطاه: «إن عزاءنا الوحيد وخير ما نخلد به إنجازاته هو السير على نهجه القويم والتأسي بخطاه النيرة التي خطاها بثبات وعزم إلى المستقبل والحفاظ على ما أنجزه والبناء عليه هذا ما نحن عازمون -بإذن الله وعونه وتوفيقه- على السير فيه والبناء عليه لترقى عمان إلى المكانة المرموقة التي أرادها لها وسهر على تحقيقها فكتب الله له النجاح والتوفيق».
ولم يقتصر الأمر على المشهد الداخلي، ولكن حتى على الصعيد الخارجي وهو ما كان ينتظر العالم سماعه. وقال، أعزه الله: «على الصعيد الخارجي فإننا سوف نترسّم خطى السلطان الراحل مؤكدين على الثوابت التي اختطها لسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام سيادة الدول وعلى التعاون الدولي في مختلف المجالات، كما سنبقى كما عهدنا العالم في عهد المغفور له -بإذن الله تعالى- حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور داعين ومساهمين في حل الخلافات بالطرق السلمية وباذلين الجهد لإيجاد حلول مرضية لها بروح من الوفاق والتفاهم. وسنواصل مع أشقائنا قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الإسهام في دفع مسيرة التعاون بين دولنا لتحقيق أماني شعوبنا ولدفع منجزات مجلس التعاون قدما إلى الأمام».
وتأكيدا لانتماء عمان العربي أكد جلالة السلطان هيثم بن طارق أنه سيستمر «في دعم جامعة الدول العربية وسنتعاون مع أشقائنا زعماء الدول العربية لتحقيق أهداف جامعة الدول العربية والرقي بحياة مواطنينا والنأي بهذه المنطقة عن الصراعات والخلافات والعمل على تحقيق تكامل اقتصادي يخدم تطلعات الشعوب العربية».
وعلى الصعيد العالمي أكد جلالة السلطان أن عمان ستواصل دورها «كعضو فاعل في منظمة الأمم المتحدة تحترم ميثاقها وتعمل مع الدول الأعضاء على تحقيق السلم والأمن الدوليين ونشر الرخاء الاقتصادي في جميع دول العالم وسنبني علاقاتنا مع جميع دول العالم على تراث عظيم خلفه لنا السلطان الراحل -عليه رحمة الله ومغفرته- أساسه الالتزام بعلاقات الصداقة والتعاون مع الجميع واحترام المواثيق والقوانين والاتفاقيات التي أمضيناها مع مختلف الدول والمنظمات».
كما شدد جلالته -حفظه الله- على أن ما حققته عمان ما كان ليتحقق لولا «القيادة الفذة للمغفور له بإذن الله حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- والأسس الثابتة التي أقام عليها بنيان هذه الدولة العصرية والتفافكم حول قيادته واعتزازكم بما أنجزناه جميعًا تحت قيادته الحكيمة».
وتحدث جلالته على أن ثبات ورسوخ الأمن وانتشار الأمان في ربوع هذه البلاد «ما كان ليتحقق إلا بوجود قوات مسلحة جاهزة وعصرية ومعدة إعدادًا عاليًا بكل فروعها وقطاعاتها، وأجهزة أمنية ضمنت استقرار البلاد واحترام المواطنين فنحن نقدر دورها العظيم في ضمان منجزات ومكتسبات البلاد ونؤكد على دعمنا لها واعتزازنا بدورها». وأمام كل ذلك المنجز وتلك السياسة الحكيمة التي سار عليها السلطان الراحل ونية السلطان هيثم التأسي بها، استشعر جلالته -أعزه الله- حجم المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه للمرحلة القادمة مؤكدًا في كلمته التاريخية «أن الأمانة الملقاة على عاتقنا عظيمة والمسؤوليات جسيمة فينبغي لنا جميعًا أن نعمل من أجل رفعة هذا البلد وإعلاء شأنه وأن نسير قدمًا نحو الارتقاء به إلى حياة أفضل ولن يتأتى ذلك إلا بمساندتكم وتعاونكم وتضافر كافة الجهود للوصول إلى هذه الغاية الوطنية العظمى وأن تقدموا كل ما يُسهم في إثراء جهود التطور والتقدم والنماء».