قراءة في كتاب «إدارة مياه الأفلاج باستخدام النجوم في سلطنة عمان» للباحثة الدكتورة هارييت ناش

الأفلاج إرث حضاري عماني، متجذر منذ آلاف السنين، تشكلت مع الأيام جملة من الأنظمة الضابطة لعملة وتوزيع مياهه. وعلى الرغم من أن الأفلاج كمصدر من مصادر المياه ليس خاصا بعمان، بل مورد في كثير من الدول المجاورة لعمان والبعيدة، إلا أن ما يميزها في عمان الاستمرارية في تدفق مياه بعضها منذ مئات السنين لا سيما العدية (الداؤودية) منها. ولعل النظام الصارم في توزيع مياه الفلج بين المستفيدين هو ما يدفع الباحثين إلى ربط الفلج بتطور المجتمع العماني.
اعتمد العمانيون على أهل الخبرة في توزيع المياه بناءً على النجوم وحركتها، ويحار العقل أحيانا في مدى الدقة في التوزيع، حيث قسم اليوم نهاره وليله إلى وحدات زمنية دقيقة.
وفي هذا المسار نشرت وزارة التراث والثقافة في سلطنة عمان في أواخر عام 2019م كتابا يحمل عنوان «إدارة مياه الأفلاج باستخدام النجوم في سلطنة عمان» للباحثة الدكتورة هارييت ناش، وقام بترجمته عن الأصل الانجليزي محمد بن سالم الصارمي، الذي كان قد صدر من قبل عام 2011 عن دار آريكوبرس، أكسفورد المملكة المتحدة.
قسمت الباحثة دراستها إلى 12 فصلا، خصصت منها 4 فصول جعلتها استهلالية للدراسة حول أهداف البحث وحدوده الجغرافية وأهمية البحث، وتحليل لأهم المراجع، ثم عرجت على علم الفلك في الفصل الثالث، وانتقلت في الرابع للحديث عن نظام الأفلاج في عمان. وخصص الفصول من 5-10 لعرض أدوات البحث وعرض المعلومات وتحليلها. وفي الفصلين 11و 12 فقد كانت لمناقشة النتائج وتحليلها. ثم زينت الدراسة بعدد من الملاحق ذات العلاقة بالنجوم التي كانت تستخدم في مناطق الدراسة.
وما يهمنا أن الباحثة قامت خلال ثلاث سنوات منذ عام 2005م بجولة لغالبية المناطق التي تنتشر فيها الأفلاج، بحثا عن بغيتها، ونقصد البحث عن المعلومات المتعلقة باستخدام النجوم.
ويبدو أن السبب المباشر – والذي يمثل مشكلة الدراسة – الذي دفع الباحثة إلى هذا العمل الشاق هو أن الاعتماد على النجوم لم يعد موجودا إلا في عدد قليل من المجتمعات المحلية، ونظرا لأن هذه الممارسة القديمة تختفي سريعا، فجاءت هذه الدراسة لمحاولة رصد هذه المعرفة التي لم تعد تحتفظ بها إلا قلة من كبار السن.
والدليل على ذلك أن الحدود الجغرافية لمجتمع الدراسة لم تتعدى عدة قرى قريبة من المضيبي شرقي عمان: الحمراء، الزاهب، الفتح، السديرة، وبرزمان، وعدد الأفلاج التي لا زالت تعمل بهذا النظام لا تتجاوز ثمانية أفلاج.
استعرضت الباحثة أسماء النجوم في كل قرية على حدة، اعتمادا على المختصين في الأمر من أهل تلك القرى أو من خلال نصوص مخطوطة تحصلت عليها من أهل تلك المناطق. ولعل من أهم النسخ في هذا المجال تلك التي يمتلكها سعيد بن صالح العبري، والتي ضمنت ضمن ملاحق الكتاب.
وقد خلصت الباحثة إلى أن استمرار هذه الممارسة يعبر عن تقيد بالتقاليد وحفاظا عليها.