نوافذ :الرمزية.. دلالات ومعان

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يحفل التراثي غير المادي بالكثير من الكنوز المعرفية، والدلالات المفاهيمية، وهي التي عكست حياة الناس عبر الأزمان، وكانت جزءا لا يتجزأ من تفاعلاتهم اليومية، وحقيقة مشاعرهم، ومستوى الوعي بما يحيط بهم، وبما يشكل أسلوب حياتهم، ويضعهم في سلم الفاعلين، في المساحة الزمنية المتاحة لهم، وفي المكان الذي يحملون هويته، ويتلبسون بيئته، وهذه الآثار المعرفية التي نطلع عليها اليوم، ونوظفها وفق السياق الذي جاءت عليه في عصرنا الحاضر، والذي يفصلنا عن عصورهم مئات السنين، وهذا يعكس مدى فترة صلاحيتها النسبية التي لا تنتهي، بل بالعكس تجد فيها الأجيال المتلاحقة هويتها، وانتماءاتها، وتستشعر بالكثير من الاعتزاز بها، فوق أن لا بديل عنها اليوم، يوازي قيمتها المعرفية.
جاءت الكثير من هذه الرمزيات عبر الأمثلة، وأبيات الشعر، ومجموعة الحكم، استطاعت الذاكرة الجمعية أن تحافظ على ديمومتها من خلال الاستخدام الدائم لها عبر توالي الأزمان والعصور؛ هذا بخلاف ما تم تدوينه من المهتمين بالشأن الثقافي؛ لذلك يتعاطها الناس اليوم.
وكما كان من قبل، بتلقائية مرنة، وبلا تلعثم، وهذا يعكس حضورها في الذاكرة عند معظم الناس، والخوف هنا أكثر تواريها من ذاكرة الأجيال المتلاحقة، وذلك لوجود البدائل الإلكترونية التي تغرب الذاكرة الجمعية عن مخزوناتها المحلية بصورة تلقائية، عن غير قصد، فالثقافة العصرية والمتمثلة في الوسائل الإلكترونية لا تتيح الفرصة لهذه الذاكرة أن تواصل احتواء الرصيد المنقول جيلا بعد جيل، حيث؛ على ما يبدو؛ أن هناك تفريغا مرحليا لأرصدة الذاكرة، إن لم تجدد، فوق أن البديل قوي التأثير، فالطفل الذي يجلس أمام الحاسب الآلي، أو أي وسيلة أخرى من الوسائل الإلكترونية الساعات الطوال أن لذاكرته أن تستجلب شيئا من رصيد معرفي تاريخي، متوقف بقاء على مدى حرص الأجيال على الاحتفاظ به.
هنا بعض الأمثلة للتدليل على نماذج من هذه الرمزيات التي جاءت عبر الأقوال المختلفة، واستطاعت عبر تاريخها الطويل على تحافظ على قوة معانيها، وسهولة توظيفها في واقع الناس، ومن ذلك «لا تكن يابسا فتكسر، ولا رطبا فتعصر» وهنا يشير المعنى إلى التصلب في المواقف، والانتصار للرأي الخاص، فالإنسان ليس هو قطعة خشب حتى يكون في حالتي الرطب واليابس، وإنما يذهب المعنى إلى ما تم الإشارة إليه، ومنها أيضا، ما جاء في قول شاعر العربية الكبير: زهير بن أبي سلمى:
«ومن لم يصانع في أمور كثيرة: يضرس بأنياب ويوطئ بمنسم»، وهنا تذهب رمزية المعنى إلى أن من لا يوافق الناس، ولا يكون في صفهم، ولا يداهنهم أو يهادنهم، أو يسايرهم على ما هم سائرون عليه، وقد يحمل معنى الاستسلام المطلق لآراء الآخرين، فإنه؛ في المقابل؛ سوف يلقى المعارضة الشديدة، وقد يتعرض للعقاب من قبل مجموعته التي ينتمي إليها، إلى درجة أن يقطّعوه بأسنانهم، ويدوسوه بخف أرجلهم، واستعير هنا (بخف الناقة) ليدل على هذا الاحتواء، فخف الناقة أوسع من خف رجل الإنسان، فالتعبير يعكس عنف المواقف تجاه من يخرج عن القطيع، ولا يستسلم الاستسلام المطلق لما تريده الجماعة، ولعلنا اليوم نعيش واقعه على المستوى السياسي الشامل، فأي دولة لا تستسلم لما يريده المجتمع الدولي – ولو كان ما اتفق عليه خطأ – فإنه من يخرج عن الإجماع يواجه بالكثير من العقوبات والحصار، والعزل، والتنكيل، والأمثلة كثيرة في ذات السياق، ومنها: «النخلة ما تحت جوسها» وذلك عند الحديث عن ابتعاد الفرد عن المساهمة في محيطه القريب، والنأي بعيدا، على عكس مقولة: «الأقربون أولى بالمعروف» ومن ذلك أيضا «نحن الضيوف وأنت رب المنزل» عند الحديث عن الود، والإخاء وكذلك «الذي ما يعرف الصقر يشويه» حيث يشير المعنى أكثر إلى أهمية الشخص، ودوره الفاعل في المجتمع.