الخليـلي: «الإلحاد» غايته واحدة وإن تعددت شعاراته وعلى الغيورين على الدين الوقوف صفا واحدا لمواجهته وكشف زيفه وعيوبه

في كتابه «مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان» –

حاوره: ســـــالم الحسيني –

صدر عن مكتبة الكلمة الطيبة كتابا قيّما من تأليف سماحة الشيخ احمد بن حمد الخيلي المفتي العام للسلطنة وحمل عنوان «مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان» في أكثر من 1200 صفحة في جزأين بطباعة فاخرة وإخراج مميز.
وحمل الكتاب بين دفتيه مجموعة من المباحث المفصّلة التي تعطي المتنهّم للمعرفة فهما دقيقا وعميقا من خلال الأسلوب الذي طرحه سماحة الشيخ في مؤلفه القيّم.. وإلى ما جاء في الجزء الأول من الكتاب.
صدّر سماحته الكتاب بتمهيد ذكر فيه (مهما كانت سعة الإنجاز ووفرة الحجج والدراسات في التصدي للإلحاد فإنما هي جهود بشرية وكل ما كان من عند غير الله فهو قابل للإضافة والزيادة..، ولهذا رأيت أن أدلي بدلوي في هذا المجال لعلي أنال شرف خدمة الإيمان، ونصرة عباد الرحمن، وفضح حزب الشيطان، فقد وعد الله حزبه المنصور بالغلبة والفلاح فهو القائل: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) والقائل: (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)، وتوعد الذين استحوذ عليهم الشيطان وضمهم إلى حزبه بالخسران في قوله (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، فلذلك حرصت على تقديم هذه الدراسة المتواضعة التي أرجو أن تكون مشاركة فاعلة في مصرع الإلحاد؛ الذي أرجو أن يحققه الله علانية، فينتعش به المحقون ويكبت به المبطلون، (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم).

 

وفي معرض التمهيد أشار سماحته الى جرائم الإلحاد ومنها جرائمهم ضد المسلمين خاصة، وبيّن أن الإلحاد غايته واحدة وإن تعددت شعاراته.
ومما ذكره سماحته في التمهيد (وإذا كان الإلحاد بدأت زوابعه في الهياج من جديد مصحوبة بلهيب شرورها تثيرها الأحقاد الدفينة على دين الله تعالى وعلى أهله، فإنه مما يتحتم على جميع الغيورين على الدين أن يقفوا صفاً واحداً لمواجهة هذا الخطر وصدّ هذا الزحف وكشف زيف الإلحاد وتبصير الجماهير بعيوبه، وإذكاء روح الإيمان في نفوسها، فإن من الضرورة بمكان أن تتضافر الجهود لإحقاق الحق ودحر الباطل من قبل حزب الحق المنصور.
مشيرا إلى ظهور جهود مشكورة من أبناء الأمة لصد هذه الهجمة على الإيمان وتعرية هذا المخطط الذي يهدف إلى سلخ المؤمنين من إيمانهم، وتجريدهم من مقومات حياتهم الإيمانية وجاءت الردود على الإلحاد والملحدين متفاوتة في صورها ومحتوياتها وفي كل خير إن شاء الله.
جاء الباب الأول في المؤلف في إثبات أن الإيمان بالله واليوم الآخر ضمان لانتظام حياة الناس وسعادتهم في العقبى فـ (الإيمان بالله واليوم الآخر هو أساس كل خير يعود إلى الناس في دنياهم وآخرتهم، ومصدر استقرارهم النفسي والاجتماعي، وسبب انتظام شملهم ودوام ألفتهم، ومهما فُقد الإيمان بالله أو الإيمان باليوم الآخر في حياة الناس هاجت الشرور من نفوسهم، وماجت حياتهم بالفتن التي تهلك الحرث والنسل، وتقلق النفوس، وتوجف القلوب، وتقضي على كل راحة وسكينة).
ثم تعرض سماحة الشيخ في هذا الباب إلى مكانة الإنسان في هذا الكون حيث شرف الله سبحانه الإنسان من بين سائر مخلوقاته بما آتاه من الملكات الظاهرة والباطنة، واختصه به من آلائه الروحية والمادية، ومنحه بفضله منافع الأرض وما اشتملت عليه وسخر له ما انتظمه الوجود سفليه وعلويه قال تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا منه) وقال: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه).
وفي الباب نفسه أشار إلى طبيعة الإنسان التي لا تهدأ إلا بسكينة الإيمان فبما أن الإنسان كائن اجتماعي يشترك مع بني جنسه – في الأخذ والرد والعطاء والمنع- قد تطغى عليه الآثار السلبية للنزعات الاستبدادية التي تهيجها في نفسه قوى الشر الثائر بتأثير الشهوات والرغبات أو بتأجيج النزعات والنزغات، حتى ينسى عهد الله أو يكاد، فلا يبالي بحقوق الله أو حقوق عباده، إلا انه مع إيمانه الحق باليوم الآخر – بجانب إيمانه بالله- يدكر فينثني من غيّه إلى رشده، ومن عماه إلى بصيرته فيكبح نوازع الشر ودوافع السوء المحركة له إلى الشر والإجرام ويعود إلى الفطرة السوية التي فطره الله عليها حياء من الله وخشية من سوء المصير عندما ينقلب إليه. وهذا لان الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالمنقلب إلى الله ومجازاة النفس على ما قدمت وأخرت وجنيها ثمار غرسها في الدنيا خيراً كان أو شراً.
وجاء الفصل الثاني من الكتاب في ضرورة الناس كون الدين مطلبا فطريا ملحا، وضمنه 8 مباحث (في طبيعة الإنسان التي تضطره إلى التدين، وفي ارتباط الأخلاق بالدين، وفي كون الدين لا يمكن أن يخترع بالتجربة البشرية أو مقاييس العقول المحدودة، إن الدين عند الله الإسلام، وفي سعة الشريعة الخاتمة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وعمقها وإعجازها، وفي حقيقة الدين والإسلام اللغوية والشرعية، وفي مزايا الإسلام). وجاء الباب الثاني في الإلحاد وضمنه مقدمة عرّف من خلالها الإلحاد، هو لغة بمعنى الميل، ومنه اللحد لأنه بخلاف الشق يمال به إلى جانب من القبر، يقال: ألحد ولحد بمعنى، قال في اللسان: (ولحد إلى الشيء يلحد، والتحد: مال. ولحد في الدين يلحد وألحد: مال وعدل، وقيل: لحد مال وجار. ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس فيه، يقال قد ألحد في الدين ولحد أي حاد عنه، وقرئ: (لسان الذي يلحدون إليه)،والتحد مثله. وروي عن الأحمر: لحدت جرت وملت، وألحدت ماريت وجادلت. وألحد: مارى وجادل. وألحد الرجل أي ظلم في الحرم وأصله من قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)، أي إلحادا بظلم، والباء هنا فيه زائدة؛ قال حميد بن ثور:
قدني من نصر الخبيبين قدي..
ليس الإمام بالشحيح الملحد أي الجائر بمكة.
فالألحاد هو نتيجة انحراف الطبع وفساد الفطرة وإظلام الفكر فهو لا ينشأ إلا في النفوس المريضة، ولا يترعرع إلا بين الأفكار الخسيسة، ولا يستمد إلا من الطبائع المرذولة، فمنشؤه غرور النفس وما تشعر به من مركب النقص فتجنح إلى سد فراغها بما فيه غرابة وشذوذ……
وتطرق في هذا الباب إلى أسباب الإلحاد: أسباب نفسية، والعيوب التي تعزى إلى الأديان كتسرب الخرافات إلى المسلمين وفتح باب الإلحاد على مصراعيه، من تشبيه الخلق بالله، وانتهاك حقوق الإنسانية باسم الدين، وتشويه الإسلام الجميل بجرائم تشوهه وهو براء منها.
وقدم سماحته علاجا لمشكلة الإلحاد فنصّ على انه (ليس لهذه المشكلة من علاج إلا الإيمان الذي يجب أن تغذّى به نفوس الناس منذ نشأتهم، وذلك بترسيخ مفاهيم العقيدة الصحيحة القائمة على مسلمات العقل وثوابت الشرع، بحيث يدرك الإنسان أن الله تعالى وحده هو رب الوجود وأنه المبدئ المعيد الفعال لما يريد، القابض الباسط، المعطي المانع، الرافع الخافض، له الآخرة والأولى، وله الحكم في السموات والأرض)…. إلى أن وصل (لذلك يجب تطهير العقول من جميع العقائد التي تشوب الإيمان بالله الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده ملكوت كل شيء، وبهذا تسد جميع النوافذ، وتقطع جميع الطرق على دعوات الملحدين).
وتطرق كتاب (مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان) في فصله الثاني (استشراء داء الإلحاد في الأمم) وقدم فيه ثلاثة مباحث «فيما مر على الأمم من أفكار ملحدة» و«ضرورة تأصيل الفكر الدارويني» و «صدى الفكر الدرويني» كاشفا عن أوهام ما تعلقت به النظرية التطورية، ونقض ما بنيت عليه الداروينية من النواميس الأربعة، وبين أن الجرائم الأخلاقية قائمة أيضا على أساس فكرة النشوء والارتقاء.
ثم عرّج الكتاب إلى (نقض الداروينية بأدلة البرمجيات ولغاتها) وضمنها مبحث «بناء الفكر الدارويني الجديد على أساس الطفرات العشوائية ونقص ذلك، وانقاض هذا الأساس بهندسة البرمجيات».
وختم الفصل الثاني بـ (نقض الداروينية بأدلة الأحافير) وضمنها 4 مباحث: «في الأحافير لغة واصطلاحا، وفي حلم داروين أن تسند الأحافير في المستقبل نظريته، وفي تبخر حلم التطويريين بتعزيز الأحافير لنظريتهم، وفي عجز الداروينية عن الإجابة على الاستفهام عن أسلاف الكائنات الموجود التي يزعمونها».