خطبة الجمعة: ترك المخلفات المضرة بالإنسان والحيوان والبيئة في أماكن يرتادها الناس من الإفساد في الأرض

عدم العمل بالعلم من الأمية التي حاربها الإسلام –

تؤكد خطبة الجمعة التي تعدها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على أن من صور التحضر والرقي تلك النفوس الطيبة التي تعمل بالعلم النافع، وتحافظ على المنجزات، وتتعهد نظافة المكان، وتحافظ على جماله؛ فكانوا ممن جاء بالحسنة فله خير منها، وصاروا ممن أماط الأذى فكان ذلك له صدقة.
وذكرت أن من الأمية التي حاربها الإسلام عدم العمل بالعلم، وتلك الأمية صورة من صور ما يعرف بالأمية الحضارية…
وقدمت تساؤلات عدة.. هل من التحضر في شيء أن يكون الإنسان آلة لعدم الحفاظ على المنجزات؟ فتجده يخرب هذا، ويهمل ذاك، ويستعمل شيـئا آخر على غير وجهه الصحيح، وفي نفسه أن ذلك لا يخصه وحده، بل هو شيء عام!!
ونعت الخطبة الذين يتناسون أن العام مسؤوليته أعظم من الذي يخص.. ونبّهت إلى أن من مظاهر صور هذه الأمية تلك الصورة التي صارت تتكرر، ونراها بعد كل مناسبة تكون فيها رحلات، فترى الشواطئ والصحاري وكثبان الرمال أذهبت بهاءها المخلفات وبقايا الطعام والقمامات.
محذّرة من أن تلك البقايا والمخلفات قد تكون سببا للإضرار بالإنسان، وسبيلا إلى هلاك نبات أو حيوان.. وما أكثر صور الأمية الحضارية التي هي إفساد في الأرض نهى عنه الله.. وإلى ما حوته الخطبة.


الحمد لله رب العالمين، رفع مقام العلم وأعلى رتبة العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، أكرم الإنسان، فعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان، وأشهد أن محمدا رسول الله، نور الأكوان، ومشعل العلم والإيمان، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله؛ يعلمكم الله، فمن اتقاه نال الخير العميم، وسلك المسلك الموصل إلى النعيم المقيم (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم).

عباد الله:

لقد أراد الله لهذه الأمة أن تكون أنموذج الحضارة، ومدار العلم والتقدم؛ فكان أول ما خاطبها به (إِقْرَأ)، وهذا الأمر لا يقف عند تعلم القراءة والكتابة فحسب، بل يحمل في طياته رسالة عظيمة، بل رسائل؛ فإن هذا القرآن لا تنقضي عجائبه، وكأني به يدعو تلك الأمة الأمية إلى الخروج من عزلتها، ويدفع بها إلى كسر حاجز الانطواء؛ فإن تلك القراءة التي أمرت بها تستلزم الاطلاع على ما عند الآخرين، وتندب إلى رؤية العالم والنظر في هذا الكون الفسيح، عند ذلك تتسع الرؤية، ويدرك الإنسان أن العالم ليس المحيط الذي يعيش فيه، بل هو أوسع من ذلك بكثير؛ فيرى حق قول الله جل جلاله ، (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) ويدرك تمام الإدراك مراد خطاب الله (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا).

أيها المؤمنون:

لقد سبق القرآن الكريم الإشارة إلى أنواع الأمية، فإن هناك أمية مقيتة، قد يغفل عنها طائفة من الناس، ولعمري إن تلك الأمية أصل المشكلات، وباب المصائب والمعضلات؛ فإن وجودها يميت القيم، ويمحو الأخلاق، ويطمس الفطرة، ولما كانت هذه الصورة من الأمية على هذه الحال حذر منها القرآن الأمم السابقة؛ فكان ذلك التحذير تحذيرا لهذه الأمة، ودعوة لها إلى الابتعاد عنها؛ فلنسمع إذن تحذير القرآن الكريم، ولنصغ تمام الإصغاء إلى الذكر الحكيم؛ فإن ربنا تبارك وتعالى يقول: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّون)، نعم، هذه هي الأمية الحقيقية؛ فتجد المتلبس بها زاده الظن، وبضاعته الأماني، والحري بالإنسان أن يأخذ العلم من مصادره الأصيلة، ولا يقف طلبه له عند حد؛ فإن العلم بحر لا ساحل له، وحسبنا توجيه الله لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، فإن فيه دلالة ظاهرة على أن العلم خير ما يستزاد منه، وأشرف ما يتقرب به.

عباد الله:

اسمعوا قول الله جل جلاله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّون)، فإذا ما رجعنا البصر إلى هذه الآية كرتين، ورددنا البصيرة إليها مرتين، وجدنا أن فيها إشارة إلى ما يعرف بالأمية الحضارية، وما أدراك ما الأمية الحضارية! فإنها مرض خطير، وشر مستطير؛ فإن صاحب هذه الأمية يلبس لباس العالمين، ويعمل عمل الجاهلين! وذلك شيء لا يريده الإسلام؛ فإن مقياس الإسلام للعلم مقياس غير مسبوق؛ فقد سبق الإسلام إلى قياس المعرفة بمقدار ما يكون منها من نفع للإنسان نفسه وللإنسانية، ومن تدبر قول الله جل جلاله (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)، تبينت له هذه الحقيقة، ووضحت له تلك الطريقة؛ فإن صدر الآية دال على أن العلم ما تشرق شمسه على الروح؛ فتجعل صاحبه مستقيما في سلوكه، منضبطا في أقواله وأفعاله، نافعا لمجتمعه وأمـته، فاسمعوا – رحمكم الله – صدر الآية (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، فالرجاء جعله مسارعا في الخيرات، والخوف جعله حذرا من المخالفات، ومن كان كذلك كان من أولي الألباب، وما أعظم خاتمة الآية! (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب)، وإن هذه أمتكم لم يكن لها انتقال من حال إلى حال إلا بنفي هذا النوع من الأمية عنها؛ فارتقت إلى رفيع المقامات، وبلغت غاية الغايات؛ فكانت حياتها طيبة، وعاقبتها حسنة، ولا عجب؛ فإن (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.


الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أن من الأمية التي حاربها الإسلام عدم العمل بالعلم، وتلك الأمية صورة من صور ما يعرف بالأمية الحضارية، فهل من التحضر في شيء أن يكون الإنسان آلة لعدم الحفاظ على المنجزات؛ فتجده يخرب هذا، ويهمل ذاك، ويستعمل شيـئا آخر على غير وجهه الصحيح، وفي نفسه أن ذلك لا يخصه وحده، بل هو شيء عام، وقد تناسى أن العام مسؤوليته أعظم من الذي يخصه، ومن مظاهر صور هذه الأمية تلك الصورة التي صارت تتكرر، ونراها بعد كل مناسبة تكون فيها رحلات، فترى شاطئا أذهبت بهاءه المخلفات، وقطبت جبينه بقايا الطعام والقمامات، وتجد مثل ذلك المشهد في الصحراء وفي كثبان الرمال، وقد تكون تلك البقايا والمخلفات سببا للإضرار بالإنسان، وسبيلا إلى هلاك نبات أو حيوان، وتزداد عجبا إذا ما رأيت أحدا يرمي بزجاجة من نافذة السيارة فتقول: أين قلبه النابض وضميره الحي؟! وما أكثر صور الأمية الحضارية التي هي إفساد في الأرض نهى عنه الله: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين)، وإن من صور التحضر والرقي تلك النفوس الطيبة التي تعمل بالعلم النافع، وتحافظ على المنجزات، وتتعهد نظافة المكان، وتحافظ على جماله؛ فكانوا ممن جاء بالحسنة فله خير منها، وصاروا ممن أماط الأذى فكان ذلك له صدقة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون).
هذا وصلوا وسلموا على رسول الله الأمين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن جمعنا هذا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام واهد المسلمين إلى الحق، وأجمع كلمتهم على الخير، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر لكل من آمن بك، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.