يدان فارغتان

عادل محمود –

بسبب الحرب طبعًا، تدمّرت الطبقة الوسطى في سوريا.
وهي الطبقة المنتجة للأفكار والرافعة للأحلام والمشاريع، وهي حافظة التوازن في أي مجتمع منقسم إلى أغنياء وفقراء. مجتمع «وفرة» ومجتمع «حاجات».
ما نشاهده من مظاهر الإفراط في الغنى مؤلم إلى جوار ما نشاهده من احتيال الإنسان الفقير لتدبير شؤون البقاء على يد الحياة.
وأكاد لا أفهم كيف يمكن للإنسان أن يكون عديم الانتباه إلى البشر وهم يتعذبون إلى جواره؟ ولا أفهم أن يكون مديرو البلاد هم سارقو لقمتها.
لينين بنى الاتحاد السوفييتي من حضيض الفقر إلى مجتمع الكفاية والعدل. وعندما رحل وجدوا في جيبه 6 روبلات. وخليفته ستالين الذي هزم النازية، ولديه دولة فيها عشرين ألف دبابة، رحل بلا بيت، وابنته سفتلانا تعيش في بيت صغير مستأجر.
كاسترو، بنى بلدًا من مادتي قصب السكر والسيجار الكوبي. وعندما أمم الملكيات شمل إقطاعية والده بالتأميم. وعندما أهداه صدام حسين سيارتي مرسيدس، بعد مؤتمر هافانا لعدم الانحياز، لم يلمس أيًّا منهما. بيعتا بالمزاد العلني، ودخل ثمنهما خزينة الدولة.
ويمكننا أن نعدد الأمثلة المضيئة من تواريخ البلدان والشعوب.
أحد أهم الأمثلة، ذات العبرة والطرافة، قصة الاسكندر الكبير عندما أتاه إنذار الموت أوصى من حوله: يحمل نعشي الأطباء فقط. وينثر على طريقي إلى المقبرة قطع الذهب خاصتي وأحجاري الكريمة التي جمعتها في حياتي. واخرجوا يدي من الكفن وابقوهما في الخارج مفتوحتين.
القائد الأعلى للجيش: سننفذ وصاياك يا سيدي ولكن هل تتكرم وتقول لنا المغزى؟
أجاب: أريد أن أعطي درسًا:
الوصية الأولى: أردت أن يعرف الناس أنه إذا جاء الموت لا ينفع الأطباء.
الوصية الثانية: أن الوقت الذي قضيناه في جمع المال، هباء.
الوصية الثالثة: جئنا إلى الدنيا فارغي الأيدي ونذهب منها فارغي الأيدي.
ثم أمر ألا يبنى له قبر إلا كالناس الآخرين. طلب فقط أن تظل يداه تظهران إلى الخارج، ليرى الناس أن الإمبراطور الأعظم، خرج من الحياة صفر اليدين.
ويقول مثل ذلك علي بن أبي طالب :
وَفي قَبضِ كَفِ الطّفلِ عِندَ وَلادِهِ
دَليلٌ عَلى الحِرصِ المُرَكَّبِ في الحَيِّ
وَفي بَسطِها عِندَ المَماتِ مَواعِظٌ
أَلا فَاِنظِروني قَد خَرَجتُ بِلا شَيِّ
ربما كنت سأكتب موضوعا آخر، لولا قصة عرس في أحد فنادق العاصمة دمشق كلف مالا يكفي لإطعام مخيم لاجئين سوريين لمدة سنة.