الذين يتوقعون حربا باردة جديدة

عاطف الغمري –

أخذت تتدافع في الفترة الأخيرة، تحركات وتحركات مضادة، بين الولايات المتحدة من جانب، وبينها وبين الصين من جانب آخر، وهي وإن ظلت تدور في الإطار الدبلوماسي، إلا أن عددا من الخبراء، يعتبرون ذلك مدخلا إلى حرب باردة جديدة. وإذا لم يتم احتواؤها بمبادرة عقلانية تدرك أن العالم معبأ بمصادر تهديد لكلا الطرفين، منها على سبيل المثال الإرهاب، فإن الحرب الباردة الجديدة، قد لا تقل خطورة عن الصورة القديمة لها.

هذا الوضع دفع إلى موجة من المناقشات في مراكز البحوث والدراسات السياسية، وكلها تقريبا تتساءل: هل تعود الحرب الباردة من جديد؟
البعض استبعد تماما العودة إلى عصر الحرب الباردة، اعتمادا على أن الظروف الدولية مختلفة، وليست متشابهة مع الأوضاع التي أفرزت صراع الحرب الباردة الطويلة، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. وأن النزعة إلى حرب باردة جديدة تمثل حاليا توجها خطيرا، لأن الوقت الحالي دوليا، معبأ بتحديات لن يسلم منها الجميع، وهو ما يحتاج إلى نظرة استراتيجية متقاربة أو موحدة، ليس مع الصين فقط بل مع روسيا بالدرجة الأولى.
كما أن الفترة الحالية تتسم بعدم اليقين استراتيجيا، وبضبابية الرؤية للتطورات المتوقعة، أمام الجانبين على السواء.

وأمام هذه الحقيقة. يتكرر السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة وروسيا تحديدا، المحافظة على التعاون تجاه المشكلات الدولية التي تقلقهما معا؟
وهل هما في حالة تأكد يقيني من إمكانية نزع فتيل أية أزمة، ولو كانت عارضة لكنها ملتهبة، قبل أن تدفعهما إلى التصعيد إلى خلق عصر جديد من الحرب الباردة؟
يشير المهتمون إلى التدخل المحدود في شرق سوريا للقوات الأمريكية والروسية، التي تقف كل منهما على خط من التوتر، مع تحليق الطائرات الروسية النفاثة، وطائرات حلف الأطلنطي بالقرب من بعضها البعض.
وإذا كان هناك من يشدد من الجانبين على ضرورة ضبط النفس، والوصول إلى رؤية إستراتيجية للتقارب، وليس التباعد بين أمريكا وروسيا، فإن هناك من يصرون على التشدد.. ففي مجلس الشيوخ دعا البعض إلى ضرورة إجراء حوار ثنائي جديد، لأن ترك الوضع الحالي على ما هو عليه، يمثل خطرا على الأمن القومي الأمريكي، خاصة مع خطوات صوت الدبلوماسية. بينما هناك شخصيات سياسية أخرى، ومواقع إعلامية، تدعو الرئيس ترامب لأن يكون أكثر تشددا مع روسيا.

المعروف أنه في سنوات الحرب الباردة التي استمرت لأكثر من 40 عاما، كان الرأي العام يتوقع من رؤسائه أن يكونوا قادرين على التفاوض مع السوفييت، لنزع فتيل أي أزمة تقع، مثلما فعل الرئيس جون كنيدي في أزمة صواريخ كوبا عام 1962، وأن الأمر ليس مختلفا بالنسبة لترامب فهو مخول بأن يطرق نفس الطريق الدبلوماسي، لكن لا يوجد ما يشير إلى استعداده لذلك.

ويرى الرافضون في الولايات المتحدة لفكرة الحرب الباردة، أنها سوف تؤدي إلى مزيد من تضخم نفوذ المؤسسة الصناعية العسكرية، ومن زيادة حجم الإنفاق العسكري والذي تجاوز أخيرا نحو عشرين تريليون دولار، وهي المبالغ التي كان المواطن الأمريكي يأمل في خفضها بعد مرور 29 عاما على نهاية الحرب الباردة، وأن من حقه أن تنفق هذه المبالغ على ما يتعلق بحياته الاجتماعية.

أيضا لا يغيب هنا قول البروفيسور صمويل شارب المختص بشؤون روسيا بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، من أن أي حرب باردة جديدة ستكون الأسوأ لأمريكا، وروسيا، وأوروبا، وأن الوقت لا يزال متاحا لتفاديها.