خطوة في طريق إنصاف الفلسطينيين

د. أحمد سيد أحمد –

شكل قرار المحكمة الجنائية الدولية، بعد خمس سنوات من التدقيق والبحث الأولي، بفتح تحقيق في جرائم الحرب التى ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال السنوات الأخيرة خطوة مهمة وتحمل العديد من التداعيات القانونية والسياسية والإنسانية على القضية الفلسطينية وأبرزها:
أولا: تحرك الجنائية الدولية، وهي أعلى سلطة دولية مختصة بتحقيق العدالة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تجاه فتح تحقيق في الانتهاكات التي تحدث على الأراضي الفلسطينية يمثل تطورا مهما في نظام العدالة الدولية وتطبيقها لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، وإنصاف الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يسعى لنيل حقوقه المشروعة، لاسيما حقه في إقامة دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وذلك وفق القرارات الدولية التي تمثل الشرعية القانونية خاصة القرارات 242 و194 و338 وغيرها.
فرغم أن هناك العديد من الجرائم والاعتداءات على الشعب الفلسطيني خلال العقود الأخيرة خاصة مع اندلاع الحرب في غزة أكثر من مرة، كان آخرها فى عام 2014، وتمثلت فى استهداف المدنيين واستهداف الأهداف المدنية مثل المستشفيات والمدارس والبنية الأساسية وغيرها من جرائم تعد من قبيل الجرائم ضد الإنسانية، إلا أن المجتمع الدولي لم يتحرك ولم تفعل العدالة الدولية لوقف تلك الجرائم وملاحقة ومحاسبة مرتكبيها بما يضمن تحقيق العدالة الدولية وردع هؤلاء في المستقبل، وكان من نتيجة ذلك أن تكررت تلك الجرائم تجاه الشعب الفلسطيني الذي يعاني أوضاعا إنسانية صعبة لوقوعه تحت الاحتلال، كما أن غياب الملاحقة الدولية أعطى نوعا من الأمان لمرتكبي تلك الجرائم بل دفعهم إلى المضي قدما في ارتكاب المزيد من الانتهاكات باعتبار أنهم يتمتعون بالحصانة القانونية التي تمنع محاسبتهم، وبالتالي فإعلان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية عن بدء فتح تحقيق يمثل خطوة مهمة في طريق طويل لإنصاف الشعب الفلسطيني وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب وتعويض ضحايا تلك الجرائم والانتهاكات.
ثانيا: رغم ان هناك صعوبات وتحديات كبيرة أمام فتح تحقيق شامل لجرائم الحرب في الأراضي الفلسطينية وتتمثل في استخدام الولايات المتحدة لحق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي ضد أي إدانة دولية ضد إسرائيل، كما ان إسرائيل ليست عضوا بالمحكمة الجنائية الدولية ولم تصادق على ميثاق روما الأساسي المنشأ للمحكمة ومن ثم هناك صعوبة في التعاون بين المحكمة وبين إسرائيل، ورغم ان هناك طريقا طويلا وشاقا من أجل جمع المعلومات وتوثيق الجرائم التي ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل عدم تعاون من جانب قوات الاحتلال مع فريق المحكمة، وتوقع عرقلة عملهم في الأراضي الفلسطينية خاصة فيما يتعلق بتحركهم او حصولهم على تأشيرات دخول للأراضي الفلسطينية وكذلك منع التقائهم بالشهود خاصة من الضحايا، رغم تلك العقبات والتحديات إلا أن فتح تحقيق يمثل أهمية كبيرة وحتى ولو لم ينجح في ملاحقة ومحاسبة وتوجيه اتهامات رسمية لمرتكبي جرائم الحرب تجاه الشعب الفلسطيني. فمن ناحية فإن فتح تحقيق من قبل المحكمة يعد اعترافا دوليا بذاته أن هناك جرائم عديدة ارتكبت في الأراضي الفلسطينية تجاه الشعب الفلسطيني خاصة في المواجهات بين حماس وإسرائيل في غزة، وانه يجب إلقاء الضوء على تلك الجرائم، وهو ما يعد تحولا نوعيا في الموقف الدولي الذي ظل صامتا لسنوات تجاه ما يرتكب من انتهاكات داخل الأراضي الفلسطينية، ومن ناحية ثانية فرغم الرفض الإسرائيلي لقرار المحكمة الجنائية الدولية ووصفه بأنه مسيس، وبالتالي عدم التعاون معها، إلا ان هذا الأمر سيضع إسرائيل أمام مواجهة مع المجتمع الدولي الذي يتعاطف مع الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، كما انه ينزع الغطاء الإنساني والأخلاقي عن الممارسات الإسرائيلية ويفند المزاعم الديمقراطية الإسرائيلية فى ظل عدم تعاونها مع المحكمة وتطبيق الشفافية وإجراء تحقيق مستقل في جرائم الحرب، خاصة أن المحكمة تسعى لكشف الحقائق ومعرفة ما جرى من انتهاكات واعتداءات ليس فقط من جانب قوات الاحتلال بل أيضا من جانب حركة حماس، وبالتالي من المهم الكشف عن الحقائق وبالتالي فإن أي طرف سيسعى لعرقلة عمل المحكمة سيكون في مواجهة مع العدالة الدولية.
ثالثا: رغم أن المحكمة الجنائية الدولية لا تمتلك الآليات التنفيذية لتنفيذ قراراتها وأحكامها في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتعتمد على تعاون الدول معها في تسليم مرتكبي جرائم الحرب، وقد رأينا ان هناك أحكاما دولية صدرت بحق بعض الأشخاص والمسؤولين لكنهم لم يمثلوا أمام المحكمة لاعتبارات سياسية وأخرى تتعلق بالحصانة السياسية وأخرى لأن دول هؤلاء الأشخاص غير أعضاء في المحكمة، إلا انه مجرد صدور قرارات إدانة من المحكمة ضد مرتكبي جرائم الحرب من جانب قوات الاحتلال والمستوطنين الإسرائيليين يمثل إدانة واضحة لقوات الاحتلال ويساعد في حشد الدعم الدولي لدعم الشعب الفلسطيني وإنصافه وضرورة توفير الحماية الدولية له ضد الجرائم والانتهاكات التي يتعرض لها باستمرار خاصة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية بسبب سياسات الحصار وغلق المعابر وتفشي الأمراض والفقر إضافة إلى استهداف بنيته الأساسية ومؤسساته المدنية، وكلها تدخل في نطاق التحقيق من جانب المحكمة، خاصة خلال حرب غزة بين إسرائيل وحماس في عام 2014 والتي تشمل استخدام أسلحة محرمة دوليا مثل الفوسفور الأبيض واستهداف المدنيين العزل بعمليات قصف كذلك استهداف المدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء والتي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.
رابعا: ادعت إسرائيل بأن المحكمة ليس لها الولاية القضائية وليس لديها الحق في إجراء تحقيق في الأراضي الفلسطينية والدفع بأنه لا توجد دولة فلسطينية، لكن المدعية العامة للمحكمة أكدت أن الأراضي الفلسطينية تدخل ضمن النطاق والولاية القضائية للمحكمة، خاصة أن فلسطين حظيت بدرجة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، وتحظى بكل مزايا الأمم المتحدة ما عدا التصويت على القرارات، كما أن هناك الكثير من دول العالم يعترف بالدولة الفلسطينية وهناك تمثيل دبلوماسي للسلطة الفلسطينية مع كثير من دول العالم، إضافة أن الكثير من البرلمانات العالمية اعترفت أيضا بالدولة الفلسطينية، كما حصلت فلسطين على عضوية الكثير من المنظمات الدولية مثل اليونسكو وغيرها، وبالتالي من حق المحكمة ممارسة ولايتها القضائية في الأراضي الفلسطينية خاصة أنها تقع تحت الاحتلال وتفرض القوانين الدولية ضوابط والتزامات على دولة الاحتلال لمراعاة قواعد حقوق الإنسان في التعامل مع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال ومنع ارتكاب أية انتهاكات تخالف القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وبالتالي من الناحية القانونية فإن للمحكمة الأهلية القضائية الحق في مباشرة عملها في التحقيق في جرائم الحرب في الأراضي الفلسطينية وهي جرائم كثيرة ارتكبت في الأعوام الماضية، لكن التوصل إلى إدانات وأحكام يحتاج إلى وقت طويل خاصة ضرورة توثيق وتسجيل تلك الجرائم، ولاشك أن السلطة الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدني قد وثقت آلاف الانتهاكات التي ترقى لجرائم الحرب خاصة إبان حرب غزة كذلك فى عمليات الاغتيال التي تقوم بها القوات الإسرائيلية ضد نشطاء فلسطينيين خارج نطاق القانون، إضافة إلى عمليات هدم وإزالة بيوت الفلسطينيين، ومنع إعطاء تصاريح بناء جديدة للفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية، بل ان المستوطنات تعد انتهاكا للقانون الدولي مع مصادرة قوات الإحتلال لأراض فلسطينية وتهجير سكانها إلى آخره من الانتهاكات التى سوف تحقق فيها المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم أن قرار المحكمة يعد خطوة أولية ورغم تزايد الضغوط عليها من جانب الولايات المتحدة، والتحديات التي ستواجهها، إلا أن تحرك المحكمة على الأقل يمثل خطوة في طريق طويل نحو إنصاف الشعب الفلسطيني تحتاج إلى مزيد من الخطوات لإنهاء الاحتلال وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني واستعادة حقوقه المشروعة.