بين تعزيز الأمل … وتحدي القانون الدولي!!

د. عبد الحميد الموافي –
ليس من المبالغة في شيء القول بأن القضية الفلسطينية، التي فرضت نفسها على جدول اعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أشهر قليلة من إنشاء الأمم المتحدة في منتصف اربعينات القرن الماضي، والتي لا تزال مدرجة على جدول الدورات المتتالية للجمعية العامة، ليست فقط أقدم القضايا الدولية، وآخر قضايا الاستعمار أمام الأمم المتحدة، ولكنها ايضا أكثر القضايا الدولية التي تبرهن على اعوجاج العمل الجماعي الدولي وانزواء العدالة ومبادئ القانون الدولي أمام سطوة الممارسات السياسية للدول الكبرى وتحدي الدول الخارجة على الشرعية الدولية لتلك المبادئ، وما يعنيه ذلك من تقاطع المصالح وفشل الأمم المتحدة وهيئاتها ومنظماتها المختلفة في القيام بدورها المأمول في تحقيق السلم والأمن الدوليين ، وفقا لأهدافها ومبادئ ميثاقها.

والمؤكد أن ذلك يتجاوز بكثير كيل الاتهامات للأمم المتحدة، أو لبعض الأطراف الدولية، ولعب دور الضحية لإراحة النفس أو لتفريغ شحنة الغضب الذاتية والجماهيرية، مع ترك الأمور تسير في طريقها رغم ما تحمله من اضرار بالمصالح الفلسطينية والعربية.
وبعيدا عن الوقوع في مطب جلد الذات، فلسطينيا وعربيا، فإنه من المؤكد أن ما أعلنته « فاتو بنسودا» المدعية العامة بالمحكمة الجنائية الدولية في 20 ديسمبر الماضي من قناعة مبنية على دراسة أولية، بفتح تحقيق في جرائم حرب محتملة وقعت في الاراضي الفلسطينية المحتلة، والكيفية التي استقبل بها الفلسطينيون والعرب من جانب، والاسرائيليون من جانب آخر هذا الإعلان، يحمل الكثير من المعاني والدلالات، على كلا الجانبين بالطبع، فضلا عن انه فتح معركة، أو بمعنى أدق فتح فصلا آخر في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، عفوا «العربي الاسرائيلي»، اذا كانت هناك بقية للعروبة، التي تكال اليها الاتهامات من أطراف بعينها تريد تحميلها كل اسباب الفشل والتشرذم العربي الراهن، متناسية انه لولا تدهور العروبة لما وصلنا الى ما نحن عليه اليوم. على أية حال فإنه بالنسبة لإعلان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، وما قد يترتب عليه بالنسبة للقضية الفلسطينية، فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: إن قيمة وأهمية اعلان « فاتو بنسودا » المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، أنه يعبر في جانب منه عن امتداد القناعة بانتهاك إسرائيل لقواعد القانون الدولي، بما فيها القانون الدولي الانساني، الى واحد من أهم عناصر القضاء الدولي، وهي المحكمة الجنائية الدولية، بكل ما يعنيه ذلك من نتائج ممكنة، ولو بعد حين. وهو أمر تتحسب له اسرائيل ولا ترغب في ان تصل اليه تحت أي سبب، ولا بأية طريقة، تجنبا لما سيلحقه ذلك من أضرار بها على الصعيد الدولي، فضلا عما سيترتب عليه بالضرورة من إدانة قانونية لها ولبعض قادتها، وتعريضهم ايضا للملاحقة القانونية الدولية غدا أو بعد غد.
من جانب آخر، فإنه من الأهمية بمكان الاشارة الى حقيقة هامة، هي أن توصل «بنسودا» الى قناعة بوقوع جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لم يأت فجأة، ولكنه جاء بعد جهود استمرت عدة سنوات، تم خلالها رفع ملفات متكاملة ومعززة بالصور والوقائع من الجانب الفلسطيني، تحدد جرائم بعينها وملابساتها ارتكبتها القوات الاسرائيلية، خاصة خلال الحروب التي شنتها على قطاع غزة عامي 2008 و2014، وقبل ذلك ايضا. ومن المعروف ان هناك مؤسسات فلسطينية تعمل بشكل علمي ومنظم لتوثيق الجرائم الاسرائيلية، بكل انواعها، وفي مختلف المجالات، وتزويد المجلس الدولي لحقوق الانسان ومنظمات الامم المتحدة المعنية بالشأن الفلسطيني بما في ذلك منظمة اليونسكو والمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية وغيرها بها، سواء بالنسبة لعمليات تهويد القدس الشرقية والسعي الاسرائيلي لتغيير هويتها، أو بالنسبة للاستيطان في الضفة الغربية وغير ذلك من الجرائم الاسرائيلية. وقد أشار صائب عريقات امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس اللجنة المسؤولة عن المتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية الى ان قرار «بنسودا» هو «خطوة ايجابية ومشجعة تقرب فلسطين من فتح التحقيق الجنائي في جرائم الحرب التي ارتكبت فيها»، وانه «رسالة أمل لأبناء شعبنا بأن تحقيق العدالة ممكن وأن الانتصار لضحايا الاحتلال بات قريبا».
ومع الوضع في الاعتبار ايضا ما أعرب عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من ان هذا «يوم تاريخي ويوم عظيم لأننا حققنا فيه ما نريد، واعتبارا من اليوم ستبدأ ماكينة المحكمة الجنائية الدولية في تقبل القضايا التي سبق أن قدمناها وذلك بعد اربع سنوات من العمل كانت المحكمة تتابع الحيثيات والقضايا وتدرسها.» فانه من المؤكد ان اعلان « بنسودا » عن فتح تحقيق في جرائم ضد الانسانية وقعت في الاراضي الفلسطينية المحتلة، يأتي ليعزز الأمل الفلسطيني في إمكان مقاضاة اسرائيل امام المحكمة الجنائية الدولية، ويزيد من اهمية القرار انه جاء في ظل ظروف تعاني فيها القضية الفلسطينية من ضعف ومشكلات عديدة بفعل الانشغال العربي والدولي بالتطورات المتلاحقة والخطرة التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط على امتداد السنوات الاخيرة. يضاف الى ذلك ويعززه ايضا انه تم انتخاب فلسطين عضوا في المكتب التنفيذي في المحكمة الجنائية الدولية، يوم 2/‏‏‏12/‏‏‏2019 وذلك بالإجماع، خلال اجتماعات «جمعية الدول الاعضاء في المحكمة الجنائية الدولية» التي عقدت في لاهاي من 2 الى 7 ديسمبر 2019. ومن شأن ذلك تعزيز الموقف الفلسطيني بوجه عام. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يظل يدور حول المدى الذي يمكن أن يؤثر فيه قرار «بنسودا» بفتح تحقيق في جرائم ضد الانسانية وقعت في الاراضي الفلسطينية المحتلة؟ خاصة وأن هناك خطوات ضرورية أخرى لا بد من اتباعها والوصول اليها من جانب المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية «فاتو بنسودا» قبل الوصول الى خط النهاية بإصدار ادانات قانونية ما لإسرائيل؟
ثانيا: انه اذا كان قرار «بنسودا» خطوة ايجابية لصالح القضية والشعب الفلسطيني الشقيق، الا ان هذا الفصل من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي له في الواقع وجوه عدة، قانونية وسياسية منها على سبيل المثال المعارضة الاسرائيلية المبدئية والحادة لأي دور للمحكمة الجنائية الدولية في الصراع، فإسرائيل لا تريد، كما هو معروف منذ بداية عملية السلام عام 1991 في مدريد،إعطاء اي دور للأمم المتحدة واي من هيئاتها ومنظماتها في الحل بزعم ان الامم المتحدة منحازة سياسيا للجانب الفلسطيني، من خلال تأييد دول العالم الثالث الأعضاء في الامم المتحدة للكفاح وللحقوق الفلسطينية، وهو زعم يجد دعما قويا من جانب الولايات المتحدة الامريكية.
وفي هذا الإطار، فإن مما له دلالة ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو وصف اليوم الذي عبرت فيه «بنسودا» عن موقفها، بأنه «يوم أسود للحقيقة والعدل» معتبرا القرار «باطلا»، وكالعادة وصف المحكمة «بأنها اداة سياسية موجهة ضد اسرائيل» وانه «ليس من اختصاصها نظر القضية وان اسرائيل لن تقبل بقرار المحكمة أبدا وستواصل مكافحته بكل الوسائل».
وبينما سار كل من المدعي العام الاسرائيلي «افيخاي ماندلبليت»، والمستشار القانوني للخارجية الاسرائيلية «تال بيكر» في نفس اتجاه نتانياهو القائل بعدم اختصاص المحكمة النظر في هذه القضية، وان الفلسطينيين يسعون الى حسم القضايا السياسية عبر المرافعات الجناسية وليس عبر المفاوضات، وهو تناقض صارخ في المنطق والموقف الاسرائيلي لأن اسرائيل سدت سبل المفاوضات وتستمر في انتهاك مبادئ وقرارات الشرعية والقانون الدولي، فإن الزعم بعدم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بفرض ان فلسطين ليست دولة ذات سيادة، هو أمر مردود عليه وفقا للمادة (12) من نظام روما الأساسي، الذي يسمح لدولة ليست طرفا في نظام روما الاساسي بقبول اختصاص المحكمة لمقاضاة الحالات التي ارتكبت فيها جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب، كما تعطي المحكمة ولاية على الاحداث التي وقعت منذ بداية عملها عام 2002 ، يضاف الى ذلك ان دولة فلسطين انضمت الى نظام روما الاساسي منذ 13/‏‏‏6/‏‏‏2014، بعد نيلها وضع الدولة المراقبة غير العضو في الأمم المتحدة في نوفمبر 2012، وهو وضع يخول دولة فلسطين الانضمام الى المعاهدات الدولية، بما فيها نظام روما الاساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.
ومن المعروف ان دولة فلسطين انضمت الى العديد من المعاهدات الدولية، ومنها 22 معاهدة في عام 2014، ثم نظام المحكمة الجنائية الدولية في الثاني من يناير عام 2015 عندما أودعت صكا يعلن قبول فلسطين ولاية المحكمة فيما يتعلق بالأحداث التي وقعت منذ يونيو عام 2014 بما في ذلك الحرب على غزة عام 2014 والمستوطنات في الاراضي الفلسطينية المحتلة.
ومع الوضع في الاعتبار ان النقطة المشار اليها تظل موضع جدل قانوني، رغم ان «فاتو بنسودا» ذاتها اعربت من قبل عن ان دولة فلسطين يمكنها الانضمام الى نظام روما الاساسي وأنها مستوفية للشروط اللازمة لذلك، فإنه من الاهمية بمكان ان قرار «بنسودا» فتح تحقيق في جرائم ضد الانسانية في الاراضي الفلسطينية، لا يعني انه سيقتصر على التحقيق في جرائم ارتكبتها اسرائيل في حربها على غزة عام 2014، ولكن التحقيقات ستشمل ايضا اطرافا فلسطينية، وهو ما يعني ان الاتهامات إذا صدرت فإنها قد تشمل فصائل فلسطينية.
ومن جانب آخر فان «بنسودا» طلبت تحديد الولاية الاقليمية لاختصاص المحكمة، وما إذا كانت تشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة وقطاع غزة، وهي نقطة اثارت جدلا من قبل في عهد المدعي العام السابق للمحكمة. يضاف الى ذلك ان اسرائيل لم تنضم الى نظام روما الاساسي، ولن تنضم اليه، حتى لا تكون في متناول المحكمة لمقاضاتها بناء على الشكاوى الفلسطينية. كما انه من غير المستبعد ان تسعى اسرائيل بدعم من الولايات المتحدة للتدخل لتأجيل التحقيقات، أو حتى تعطيلها خاصة وان وزير الخارجية الامريكية «بومبيو» رفض بشدة فتح تحقيق مع اسرائيل، وقال «نحن نعارض بحزم هذا الأمر وأي عمل آخر يسعى لاستهداف اسرائيل بطريقة غير منصفة» على حد قوله، وتبنى الموقف الاسرائيلي بشأن «عدم اهلية الفلسطينيين للحصول على عضوية كاملة أو المشاركة كدولة في المنظمات او المؤتمرات الدولية بما فيها المحكمة الجنائية الدولية» وهو زعم مردود عليه كما سبقت الإشارة.
ثالثا : انه في الوقت الذي يمثل فيه موقف «بنسودا» فتح تحقيق في جرائم ارتكبتها اسرائيل وربما فصائل فلسطينية اخرى، موقفا في صالح القضية الفلسطينية، خاصة على الصعيد الاعلامي والسياسي في هذه المرحلة، الا ان ما قد يعرقل ذلك ان اسرائيل، وبدعم من الولايات المتحدة، وهو دعم بلغ مبلغا غير مسبوق في ظل الادارة الامريكية الحالية، وسيزداد مع اقتراب انتخابات الرئاسة الامريكية في نوفمبر القادم، ستعمد الى تحدي قرار «بنسودا»، ليس فقط بعدم الاستجابة لقرار التحقيق، ورفض استقبال اية بعثة لمحكمة الجنايات الدولية تريد زيارة اسرائيل، وهو ما حدث من قبل عندما رفضت استقبال بعثة ريتشارد جولدستون بعد الحرب على غزة عام 2008 «الرصاص المصبوب» ورفضت تقريره بهذا الشأن عام 2009، ولكن ايضا من خلال محاولة تشويه موقف «بنسودا» نفسها واتهامها بالانحياز الى الفلسطينيين، وبتسييس المحكمة الجنائية الدولية وعملها، وهو ما بدأته آلة الدعاية الاسرائيلية بالفعل، يضاف الى ذلك ان عمل المحكمة الجنائية الدولية، ليس بعيدا ولا منفصلا عن العمل في هيئات ومنظمات الامم المتحدة، وما يشهده عادة من تدخلات وتقاطع مصالح، وممارسة ضغوط سياسية وغيرها، بل وتحدي القرارات والشرعية الدولية، وهو ما تمارسه اسرائيل على نحو سافر لأسباب عديدة، وهناك الكثير من السوابق التي اهلت اسرائيل لأن توصف بـ«الدولة الخارجة» على القانون والشرعية الدولية، وطالما ستقف الولايات المتحدة الى جانب اسرائيل، بل وتتراجع عن مواقف تمسكت بها الادارات السابقة، وفي مخالفة صريحة لقرارات دولية تبنتها واشنطن من قبل، فان التحدي الاسرائيلي للشرعية والقانون الدولي يضع قرار «بنسودا» في إطاره الإعلامي والسياسي المحدود، الذي يمكن الاستفادة منه في المستقبل، خاصة عندما تتغير موازين القوى، ولا ينبغي ان يجعلنا ذلك نقنط من العمل داخل الامم المتحدة وتوثيق جرائم اسرائيل وتقديمها للمحاكم الدولية، فقرار «بنسودا» أيا كانت نتائجه يؤكد أهمية الاستمرار في ملاحقة اسرائيل امام المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية، التي اتسمت القضايا التي تناولتها، حتى الآن على الأقل، بأنها قضايا تتعلق بالدول الاضعف في المجتمع الدولي، فالأوضاع الراهنة ستتغير حتما وسيحصل الفلسطينيون على حقوقهم المشروعة في النهاية.

جريدة عمان

مجانى
عرض