الجنائية الدولية والقضية الفلسطينية

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي –

لاشك أن قرار محكمة الجنايات الدولية بعزمها التحقيق في انتهاكات قامت بها قوات الاحتلال الاسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة هو تطور نوعي مهم لجر إسرائيل الى هذا المنبر القانوني الدولي في لاهاي، كما أن ذلك يعطي القضية الفلسطينية مزيدا من الحيوية وإعادتها الى قلب الأحداث الدولية، كما أن ذلك يعطي ردعا لإسرائيل بأنها ليست في مأمن من المحاسبة القانونية والإفلات من العقاب بعد سنوات من انتهاكات جسيمة ارتكبتها ضد الشعب الفلسطيني ومقدراته والتنكيل به وقتل المدنيين متجاوزة القانون الدولي الإنساني.

القضية الفلسطينية

منذ النكبة عام ١٩٤٨ والشعب الفلسطيني يعاني الأمرين من الانتهاكات الإسرائيلية ومن صمت المجتمع الدولي على جرائم قوات الاحتلال، كما أن الوضع العربي المتردي وضعف الجامعة العربية ساعد على تراجع القضية الفلسطينية على المسرح الدولي، خاصة بعد اندلاع الثورات العربية عام ٢٠١١، حيث تم تسليط الاضواء على تلك المتغيرات والتي أسقطت عددا من الأنظمة العربية في مصر واليمن وتونس وليبيا، فيما اندلعت حرب مدمرة في سوريا لاتزال متواصلة نتج عنها قتل وتشريد عشرات الآلاف من السوريين.
وعلى ضوء عزم محكمة الجنايات الدولية فتح تحقيق الانتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة فان ذلك يحقق عددا من الأهداف الأساسية منها ان تشعر سلطات الاحتلال الإسرائيلية بأن انتهاكاتها لن تسقط بالتقادم في ظل وجود ملف وتوثيق كامل قدمته السلطة الوطنية الفلسطينية للمحكمة، كما أن هذا المتغير القانوني يجعل إسرائيل تحت المجهر وهي تلاحق قانونيا وأيضا تعود القضية الفلسطينية الى واجهة الأحداث الدولية وان يسلط الإعلام الاضواء عليها.
من الأمور المهمة والقضية الفلسطينية تدخل هذا المعترك القانوني الدولي في لاهاي ان نشهد توحيد الصفوف بين الفلسطينيين خاصة حركتي فتح وحماس وان تعود المصالحة في سبيل تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني وفي ظل تحديات كبيرة تواجه القضية الفلسطينية خاصة من جانب المخططات الأمريكية ومن خلال صفقة القرن التي تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية.
صحيح ان إسرائيل ليست موقعة على ميثاق المحكمة كما هو الحال مع ١٢٣ دولة موقعه ومع ذلك فان مجرد التحقيق حول انتهاكات الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة ضد المدنيين الفلسطينيين وهدم منازلهم وقتلهم يعد خطوه هامة على طريق إشعار سلطات الاحتلال بأن العالم لن يحتمل أفعالها المشينة والخارجة عن القانون الدولي وأن عليها ان تتوقف عن تلك الانتهاكات خاصة وانها سلطة احتلال عليها التزامات أخلاقية وقانونية، ومن هنا فإن الجانب الفلسطيني لا بد أن يستغل هذا المتغير المهم سياسيا واعلاميا وقانونيا وان تكون هناك استراتيجية واضحة للتعامل مع هذا الملف القانوني المهم.

الموقف الاسرائيلي

كعادتها سلطات الاحتلال ومن خلال نتانياهو والتي تلاحقه اتهامات قانونية داخل إسرائيل رفضت الاتجاه من محكمة الجنايات الدولية لفتح تحقيق حول انتهاكات إسرائيل واستنجدت كعادتها بالحليف الأمريكي، ورغم ذلك فان مسار التحقيق الدولي سوف يأخذ مساره الطبيعي وان على الكيان الاسرائيلي ان يمتثل للقانون الدولي وان هناك محاكم دولية تابعة للأمم المتحدة تراقب ما يدور من انتهاكات بشعة تقوم بها سلطات الاحتلال بشكل يومي وان تماديها في هذه الانتهاكات يفرض على المجتمع الدولي ان يسارع بمحاسبة الكيان الإسرائيلي الذي يعتبر نفسه فوق القانون.
ومن هنا فإن مزيدا من الضغط على إسرائيل سوف يجعلها في حالة ضعف وان تراجع حساباتها فيما يتعلق بسلوكها الاجرامي ضد الشعب الفلسطيني، كما أن الموقف الفلسطيني الموحد سوف يضيف قوة سياسية تدفع بالقضية الفلسطينية للأمام وهذا وقت مثالي نشهد من خلالها وحدة وطنية فلسطينية ووحدة الموقف والهدف وضغط دولي قانوني على إسرائيل.
إن القضية الفلسطينية تعد الآن في مفترق طرق حيث الموقف الامريكي المنحاز لإسرائيل والمواقف والقرارات غير القانونية التي اتخذها ترامب ضد القضية الفلسطينية وضد قرارات الشرعية الدولية، كما أن المخططات الأمريكية ضد القضية الفلسطينية وصلت إلى مستوى خطير ورغم ذلك فإن ثبات السلطة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وصموده وتمسكه بأرضه سوف يفشل تلك المخططات، وتحتاج القضية الفلسطينية الى استراتيجية مختلفة على الصعيدين القانوني والسياسي والاعلامي حتى تبقى حية في ضمير العالم ومؤسسات المجتمع الدولي ولعل موضوع تحقيقات محكمة الجنايات الدولية قد اعطى زخما كبيرا للقضية الفلسطينية وجعل إسرائيل في خوف من نتيجة التحقيقات لأنها تدرك الكم الكبير من الانتهاكات ضد الشعب الفلسطيني على مدى اكثر من ٧٠ عاما.

الدعم العربي

رغم الضعف العربي وضعف الجامعة العربية الا ان هناك فرصة للدعم العربي حتى على المستوى المقبول من خلال التواصل السياسي مع الدول الأوروبية وروسيا والصين ومع منظمات حقوق الإنسان الدولية، وأيضا من خلال حملة اعلامية تندد بانتهاكات سلطات الاحتلال على سنوات ضد الشعب الفلسطيني الذي يقبع تحت الاحتلال والذي يعد آخر احتلال في التاريخ وهو احتلال بشع يتفوق على الابارتايد في جنوب أفريقيا والذي انتهى وسوف يكون مصير الاحتلال الاسرائيلي هو نفس مصير الابارتايد.
العرب لا بد أن يكون لهم دور بالنسبة لقضيتهم المركزية وهي القضية الفلسطينية من خلال الدعم السياسي والاعلامي والقانوني، وهناك اتحاد المحامين العرب الذي ينبغي أن يكون لهم دور في اطار الدور الحيوي لمنظمات المجتمع الدولي وكذلك الاتحاد العام للصحفيين العرب وغيرها من المنظمات الحقوقية والمدنية، حتى تدرك سلطات الاحتلال ان هناك ملاحقة لها من الجانب العربي والدول ومن خلال القانون لإدانة سلوكها القبيح ضد الشعب الفلسطيني وان فتح التحقيق من المحكمة الجنائية الدولية، يعد من أهم المتغيرات القانونية في تاريخ القضية الفلسطينية، وعلى الجانب الفلسطيني ان يوحد صفوفه داخليا، وعلى الجانب العربي ان يدعم هذا التوجه القانوني الدولي على الصعيدين الرسمي والشعبي حتى يزيد الضغط على سلطات الاحتلال وتحترم القوانين الدولية والتي تنظم العلاقة بين المحتل والشعب الذي يرزح تحت هذا الاحتلال البغيض والذي يترقب العالم زواله من فلسطين.

جريدة عمان

مجانى
عرض