هل يمكن للتحقيق أن يواصل مسيرته؟ التحديات والاحتمالات

صلاح أبو نار –

في 20 ديسمبر 2019 صدر عن المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، تصريح تحت عنوان « بيان بشأن اختتام الدراسة الأولية للحالة في فلسطين، واستصدار قرار بشأن نطاق الاختصاص الإقليمي للمحكمة». وفي بيانها ذكرت السيدة بنسودا أنها بعد اختتام الدراسة الأولية أضحت مقتنعة «أن جرائم حرب ارتكبت أو ترتكب في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة»، وبالتالي مقتنعة بصلاحية حالة فلسطين لإجراء تحقيق جنائي دولي. وإنها تبعا لذلك طالبت المحكمة التمهيدية بقرار يحدد مدى صحة اندراج تلك المناطق، في نطاق «الإقليم الذي يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها عليه».
لم يكن القرار مفاجأة في حد ذاته. فلقد كان الموضوع قيد الدراسة منذ خمس سنوات، وفي الفترة الأخيرة ظهرت مؤشرات الوجهة التي سيتخذها الادعاء العام، دفعت جون بولتون لإصدار تهديدا علنيا للمحكمة في حالة اقترابها من إسرائيل. وفي الأسابيع الأخيرة كانت الوجهة قد اتضحت تماما، بدليل صدور بيان قانوني مطول من المدعي العام الإسرائيلي قبل تصريح بنسودا، يرد فيه على القرار. ولكن يبدو أن الوضوح والحسم الشديد في بيان بنسودا، والصياغة القانونية المفصلة والمحكمة والمتوازنة لمذكرة الادعاء العام التي قدمت للمحكمة التمهيدية الأولي للفصل المسبق في الاختصاص القضائي، كانا خارج توقعات الطرفين الإسرائيلي والأمريكي وبالتالي تولد هذا الغضب.
ترجع بدايات العملية القضائية الجارية إلى 22 يناير 2009، عندما تقدم وزير العدل الفلسطيني بطلب للمحكمة يطلب موافقتها علي قبول ممارسة ولايتها القضائية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبكلمات أخرى الانضمام إلى معاهدة «نظام روما الأساسي» المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية. ولكن في 12 يناير 2010 تلقت السلطة الوطنية الفلسطينية ردا من المحكمة، يفيد رفض الطلب الفلسطيني لوجود خلافات داخل المحكمة تدور كلها حول مدى انطباق صفة «الدولة ذات السيادة» على فلسطين، أي الشرط المطلوب لعضوية اتفاقية نظام روما. ولكن الادعاء العام واصل دراسته للموضوع، لينتهي في 2012 إلى الجزم بعدم اختصاص هيئات المحكمة بإقرار صفة الدولة في حالة فلسطين، وأن هذا القرار منوط بالأمم المتحدة. وبعد ذلك تقدمت السلطة الوطنية الفلسطينية في 23 سبتمبر 2012 بطلب انضمام إلى الأمم المتحدة، وفي 29 سبتمبر 2012 صوتت الجمعية العامة بالاعتراف بفلسطين «كدولة عضو مراقب». وفي 6 يناير 2015 جددت دولة فلسطين طلب عضوية المحكمة لتحصل على موافقتها في 7 يناير. وفي 1 أبريل 2015 قُبلت فلسطين رسميا عضواً في نظام روما، وأصبح من حق المدعية العامة البدء في دراستها الأولية لحالة فلسطين.
لدينا بصدد التطورات الأخيرة وثيقتين أساسيتين يمكن استخدامهما لتحليل التطورات الأخيرة: بيان المدعية العامة السابق الإشارة إليه، ووثيقة من 112 صفحة قدمها مكتبها إلى المحكمة التمهيدية الأولى في 20 ديسمبر 2019 بعنوان «طلب الادعاء بصدد المادة 19 من أجل حكم بشأن اختصاص المحكمة القضائي الإقليمي في فلسطين». الأولى مجرد إعلان رسمي موجز للموقف الذي انتهت إليه الدراسة الأولية على مدى 5 سنوات. والثانية تتكون من مستويين: أول يورد نتائج الدراسة، وثانٍ يفصل الأسس الفقهية لطلب الإقرار المسبق لاختصاص المحكمة الإقليمي في النظر في القضية.
ما هي أبعاد كل مستوى من هذين المستويين؟
يمكننا تحليل المستوى الأول عبر عدة عناصر. أولها أن هناك «جرائم حرب ارتكبت في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة»، وفقا لمعايير نظام روما في المادة 53(أ). وتتكون في حالة الضفة الغربية والقدس الشرقية من توطين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية، والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وطردهم منها وهدم منازلهم، والتخطيط الرسمي لتوسع المستوطنات، والتسوية الرسمية للوضع القانوني للمستوطنات غير القانونية، وتخصيص الإعانات والحوافز لتشجيع الاستيطان، وممارسات الأبارتهيد وقتل واضطهاد المدنيين. وفي حالة قطاع غزة تتكون من الاعتداءات المرافقة لعملية الجرف القاري في يوليو وأغسطس 2014 والاعتداءات الإسرائيلية على مسيرات العودة من 30 مارس 2018، عبر الاستخدام العمدي غير المتناسب للقوة العسكرية، والجرح والقتل العمدي للمدنيين، والمهاجمة العمدية لأفراد ومؤسسات الصليب الأحمر. وثانيها توجيه اتهامات موازية إلى الجانب الفلسطيني. اتهمت حماس وبعض المنظمات الأخرى بارتكاب جرائم حرب، عبر هجماتها على المدنيين الإسرائيليين، واستخدام الفلسطينيين كدروع بشرية، وحرمان المدنيين من المحاكمة العادلة، والقتل العمدي والتعذيب. واتهمت السلطة الوطنية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من خلال ممارسات أجهزة الأمن ضد الأسرى والمحتجزين الفلسطينيين. غير أن الاتهامات الموجهة للجانب الفلسطيني تبدو من حيث عناصرها وثقلها أقل نطاقا وشدة وتخطيطا بمراحل من الاتهامات الموجهة لإسرائيل، وأيضا أقل قابلية للتتبع الدقيق وتحديد مناط المسؤولية، وبالتالي أقل صلاحية لتحقيق مثمر. وثالثها الإقرار الواضح بأن الجهاز القضائي الإسرائيلي حاول ويحاول بالفعل تقصي الانتهاكات المنسوبة لإسرائيل، مع التشديد الأكثر وضوحا أن هذا الجهد لم يصل إلى المستوى المتسق مع حجم الانتهاكات نظرا لوجود إجراءات معوقة، وبالتالي أصبحت هناك ضرورة لمراجعة مدى نطاق وصحة تلك الإجراءات التي تتبعها السلطات الإسرائيلية، الأمر الذي يعني عدم إمكانية مصادرة حق المحكمة في التحقيق تبعا لمبدأ التكامل.
وكما سبق القول يتعلق المستوى الثاني بطلب الادعاء بالحسم القضائي المسبق لصحة ولاية المحكمة القضائية. في بيانها قالت المدعية العامة أنها قد طلبت من الدائرة التمهيدية الأولى حكما مسبقاً يؤكد «أن الإقليم الذي يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها عليه، والذي يجوز لي أن أجري تحقيقا بشأنه، يشمل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وغزة». وفي معرض تفسير هذا أكد الطلب المقدم للدائرة الأولى، على قناعة الادعاء العام بأن فلسطين دولة في حدود أهداف المادة 12(2/‏ أ) من نظام روما، من واقع كونها دولة عضو في اتفاقية المحكمة».
لكن الادعاء استطرد أنه رغم هذه القناعة حرص على الحصول على هذا الحكم المسبق تبعا لعدة عوامل. الوعي بالتاريخ المعقد والطويل للحالة الفلسطينية، والذي يحمل معه اختلافات واسعة وعميقة في الرؤى السياسية المتصلة بها، وبالتالي خلافات ممكنة في تفسير صحة ولاية المحكمة القضائية. علاوة على ضرورات تأمين «الجماعات المتضررة، والشهود المحتملين والاحتياجات والالتزامات المتصلة بحمايتهم، وإجراءات التحقيقات وكفاءة الإجراءات القضائية». ويتصل بالعامل السابق أن الحكم المبكر سيسهل إجراءات التقاضي والتحقيق أمام المدعي، من خلال معرفة النطاق المحدد لاختصاصاته. ويضاف إلى ذلك عامل أخير هو حقيقة أن دولة فلسطين لا تسيطر سيطرة كاملة على إقليمها، كما أن حدودها موضعا للتنازع، والسلطة الوطنية لا تسيطر على غزة، ومسألة كون فلسطين دولة في عرف القانون الدولي لا زالت خاضعة للنزاع.
والخلاصة أن انتقال التحقيق من مرحلة الدراسة الأولية، إلى مرحلة التحقيق الجنائي الفعلي التي ستقود آليا إلى المحاكمة، هو أمر مرتبط بتحديد صحة ولاية المحكمة تجاه فلسطين. وهذه الصحة محسومة مبدئيا من واقع قبول المحكمة لعضوية فلسطين بوصفها دولة ذات سيادة، لكن تلك الصفة ذاتها لا تزال موضع تنازع فقهي دولي له امتداداته داخل المحكمة ذاتها بالضرورة. فكيف سيكون الوضع؟
من المنظور الفقهي السليم والأعمق وليس الشكلي النصوص يجب أن يكون الحكم هو قبول اختصاص المحكمة. وهنا لن يكون مناط الحكم اكتمال سيادة السلطة الفلسطينية على إقليمها، ولا وحدة هذا الإقليم، ولا التحديد النهائي لحدوده. بل سيكون مناطه مفهوم الأراضي الفلسطينية المحتلة في القانون الدولي، وإجماع القانون الدولي على أن إسرائيل سلطة احتلال، وقبول عضوية فلسطين كدولة في الأمم المتحدة ومنظماتها، والاعتراف الدولي من جانب الكثير من الدول بدولة فلسطين، وإقرار المجتمع والفقه الدوليين بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ودولته ذات السيادة، وفي النهاية الطابع المؤقت والمشروط لأي أحكام في اتفاقيات أوسلو تقيد من نطاق وشمولية ممارسة السلطة الوطنية الفلسطينية لاختصاصاتها علي مجمل أراضيها المحتلة.
ولكن الفقه القانوني في نطاقه القانوني العام حمال أوجه وزاخر بالخلافات والتناقضات، وهو في موقفه القانوني الخاص تجاه الدولة الفلسطينية كما سبق الإشارة زاخر بالخلافات، وهو في نطاقه السياسي الأوسع يقوم به بشر يعملون في مؤسسات في سياقات سياسية دولية قادرة على أن تمارس عليهم تأثيرها ومعهم قناعاتهم الفقهية. الأمر الذي يعني أن الحكم يمكن أن يصدر بعدم اختصاص المحكمة، تحت تأثير مزيج من الأسباب الفقهية المجردة، والضغوط والأهواء السياسية التي سيكون لها غالبا الدور المسيطر.
ومن المقرر أن تصدر المحكمة التمهيدية حكمها في مدى تسعين يوما، ومن هنا حتى صدور الحكم سيواجه القضاة ومعهم الادعاء العام ومن خلفهم المحكمة كلها، عواصف سياسية قاسية ومتواصلة بهدف تشكيل الحكم لصالح عدم الاختصاص.
ذلك أن ثمن الحكم الإيجابي ومواصلة المحاكمة أن يجد قادة إسرائيل أنفسهم مطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية ومعرضين لعقوباتها، ومهما كانت محدودية النتائج العملية لذلك سوف يصبحون مادة لتشهير دولي حاد وواسع، وسيقاتلون بشراسة لتجنب هذا المصير. فهل سيصمد القضاة والادعاء أمام تلك العواصف؟ أم سيتراجعون ويجدون في بحار التكييف القانوني مادة لهروب كريم من قسوتها؟