الجنائية الدولية والسلام الإسرائيلي الفلسطيني

إميل أمين –

هل طرأ أمر غريب ومثير على صعيد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والذي يبدو عصيا على الحل حتى الساعة؟
يمكن أن يكون ذلك كذلك بالفعل، وبخاصة بعد قرار المدعية العام للمحكمة الجنائية الدولية إعلانها عن توجه قريب لفتح تحقيق رسمي في «جرائم حرب» ارتكبت على الأراضي الفلسطينية.

يعن لنا قبل الدخول في عمق الإشكال الأخير التساؤل ما هي جرائم الحرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ومصادرها في القانون الدولي الإنساني؟
باختصار غير مخل يمكن حصرها مبدئيا في المخالفات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول، إضافة إلى الانتهاكات الجسيمة الأخرى لقوانين الحرب وأعرافها المطبقة في النزاعات المسلحة الدولية، واستنادا بصفة أساسية إلى إعلان لاهاي لعام 1899، ولائحة عام 1907، المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة، وبروتوكول جنيف لعام 1925، واتفاقية لاهاي لعام 1954، وبروتوكولها، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، واتفاقية عام 1994 بشأن سلامة موظفي الأمم المتحدة والأفراد المرتبطين بها ، والنظام السياسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة.
قبل أن ينصرف العام وبعد تقييم شامل ومستقل وموضوعي أعلنت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية «فاتو بنسودا «، إنها تخطط لفتح تحقيق رسمي في جرائم حرب»، قالت إنها ارتكبت في فلسطين، لكنها طلبت من المحكمة إصدار حكم إضافي بشأن الولاية القضائية الإقليمية.
«بنسودا« أشارت إلى اكتمال الفحص التمهيدي للوضع في فلسطين بتحديد استيفاء جميع المعايير القانونية بموجب اتفاق روما الأساسي لفتح التحقيق.
ما الذي يجعل المدعية «بنسودا»، تسعى في هذا الطريق؟
يمكن القطع وبحسب تعبيرها إنه بات لديها قناعة بأن هناك أساسا معقولا للمضي قدما في التحقيق بشأن الوضع في فلسطين، وللتأكيد على أن «جرائم حرب قد ارتكبت أو يتم ارتكابها في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة، وتعتقد بنسودا أن «الحالات المحتملة الناشئة عن الوضع ستكون مقبولة «، وانه «لا توجد أسباب حقيقية للاعتقاد بأن التحقيق لن يخدم العدالة».
يعن لنا أن نتساءل: لماذا يهمنا هذا القرار، وهل هو وثيق ولصيق الصلة بما يجري على الأراضي الفلسطينية منذ أكثر من سبعة عقود؟
المؤكد أن الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ليست أمرا حديث العهد، فهناك خلف الباب مذابح قديمة تبدأ من عند دير ياسين وقبية وغيرها من القرى الفلسطينية التي تعرضت لمذابح العصابات الصهيونية كالاتسل والارجون والهاجاناه وغيرهما، مرورا بمذابح ارتكبت في حرب الستة أيام عام 1967، وصولا إلى صبرا وشاتيلا في ثمانينات القرن المنصرم، وصولا إلى محمد الدرة الطفل المغتال في أوائل الألفية الثانية، وبقية الجرائم التي ترتكب بدم بارد ضد الفلسطينيين كبارا وصغارا على تلك الرقعة من الأرض المقدسة التي خضبت بالدماء.
هل إسرائيل في مأزق حقيقي هذه المرة؟
الشاهد أن المحكمة الجنائية الدولية قد تبحث في جرائم الاغتيالات وعمليات الإعدام الميدانية على الحواجز الإسرائيلية في الضفة الغربية وإعدام المتظاهرين في مسيرات العودة في قطاع غزة واستهداف الصحفيين، وقد يصل الأمر إلى محاسبتها على استخدام أسلحة محرمة دوليا خلال حروبها على غزة أن ثبت ذلك.
والمعروف إنه وفقا لأركان الجرائم في نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية بما يتضمن المواد (6-8)، فإن باستطاعة الفلسطينيين أن يتقدموا بالمئات بل بالآلاف من قضايا جرائم الحرب، والمعروف أيضا أن تلك القضايا قد تطال شخصيات سياسية وعسكرية من إسرائيل، وقد يشمل ذلك رؤساء أركان سابقين وحاليين ورؤساء جهاز الشاباك ووزراء الحرب ووزراء الخارجية ووزراء التربية والتعليم ووزراء البناء والإسكان ورؤساء مجالس المستوطنات.
القرار الأخير أربك إسرائيل بمقدار ما أسعد الشعب الفلسطيني، لا سيما وأن هناك سوابق تاريخية قريبة في هذا الصدد تقض مضاجع الجانب الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال اضطرت وزيرة خارجية إسرائيل في الفترة ما بين 2006 -2009 «تسيبي ليفني»، حيث كان لها دور في الحرب على غزة خلال عامي 2008- 2009 إلى إلغاء سفرها لكل من بروكسيل ولندن خوفا من استدعائها للتحقيق ومحاكمتها بتهمة جرائم حرب.
التصريح الأول من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أشار فيه إلى أن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها سلطة للتحقيق فيما أسماه مزاعم بارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية، ووصف ذلك بأنه يوم أسود للحقيقة والعدالة.
رفض نتانياهو لقرار المدعية العام «بنسودا»، لا يحمل أي اعتبار للحضور الإنساني الفلسطيني ويجيء منافيا ومجافيا لاعتبار وجود شعب على أرض تاريخية لهذا الشعب.
يتذرع نتانياهو بأنه ليس للمحكمة ولاية قضائية في هذه القضية، وأن المحكمة لها سلطة النظر فقط في الالتماسات التي تقدمها دول ذات سيادة لكن لا وجود لدولة فلسطينية.
نفس النهج الاستعلائي في التفكير استمعنا إليه من جانب المدعي العام الإسرائيلي «افيخاي ماندلبليت» والذي رأى أن «الفلسطينيين لا يستوفون معايير الدولة لأنهم لا يتمتعون بالسيادة على حدود محددة «، وزاعما أن «الفلسطينيين يسعون إلى خرق الإطار المتفق عليه بين الطرفين ودفع المحكمة لتحديد القضايا السياسية التي ينبغي حلها عن طريق المفاوضات وليس بإجراءات جنائية. بلغ الشطط الإسرائيلي في الرد حده عند وزير المواصلات الإسرائيلي «بتسليئيل سموتريتش»، والذي اقترح هدم قرية فلسطينية كل يوم، والقضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية، انتقاما من قرار المحكمة، إذا لم تتراجع السلطة عن القضية التي رفعتها ضد إسرائيل.
حتما يمكن للمرء القطع بأن تحريك المشهد على هذا النحو لدى الجنائية الدولية لم يأت إلا بعد تحرك إيجابي وفعال من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية، فقد طلبت قبل خمس سنوات إطلاق تحقيق رسمي في جرائم حرب يرتكبها مسؤولون إسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقدم الفلسطينيون ثلاث نقاط تتعلق بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والاستيطان في الضفة الغربية ، بما فيها القدس الشرقية ، وقضية الأسرى في السجون الإسرائيلية، وما زالت المحكمة تقول إنها تجري دراسة أولية حول الحالة في فلسطين، لتقرر ما إذا كان الوضع يستدعي إطلاق تحقيق رسمي.
والمعروف أن المحكمة لا تحقق مع دول وإنما مع مسؤولين يشتبه فيهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والسلطة الفلسطينية هي عضو في المحكم، وان كانت إسرائيل لم تتقدم لعضويتها.
أحد الأسئلة المهمة في هذا الإطار: كيف ينظر خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان إلى القرار الأخير؟
عند «مايكل لين» المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 إن «المساءلة حتى الآن مفقودة إلى حد كبير في العمل طوال سنوات الاحتلال البالغة 52 عاما»، ويضيف «على مر السنين اتخذ المجتمع الدولي مئات القرارات من خلال الأمم المتحدة التي تدين مختلف سمات الاحتلال الإسرائيلي الراسخ للأرض الفلسطينية، ومع ذلك نادرا ما جمعت بين النقد والعواقب بالنسبة لإسرائيل، والآن أخيرا أصبحت إمكانية المساءلة في الأفق».
يأتي هذا القرار مواكبا للدعوات الأممية التي تنادي بأهمية الحفاظ على حقوق الإنسان، ومراعاة قواعد القانون الدولي القائم على أسس أخلاقية وإنسانية، وعليه فإنه من الأهمية بمكان أن يدافع المجتمع الدولي عن قرار المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية بالمضي قدما في تحقيقها، والسعي إلى إصدار حكم إيجابي من الدائرة التمهيدية بشأن مسالة الولاية الإقليمية.
من المستغرب جدا في هذا السياق ردات فعل الولايات المتحدة الأمريكية والتي بسطت حمايتها القانونية واللوجستية على إسرائيل طوال العقود الماضية، فكثيرا ما استخدمت حق النقض الفيتو في مجلس الأمن للاعتراض على أي قرار يدين إسرائيل بسبب جرائمها ضد الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة.
هنا كان من الطبيعي أن تعرب الولايات المتحدة عن رفضها قرار المحكمة الجنائية الدولية، وتعليقا على الخطوة قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبي «اليوم أثارت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية تساؤلات جدية حول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق مع إسرائيل».
وأضاف: «إسرائيل ليست دولة طرف في المحكمة الجنائية الدولية، ونحن نعارض بشدة هذا التحقيق غير المبرر الذي يستهدف إسرائيل بشكل غير عادل».
هل يخدم القرار عدالة القضية الفلسطينية؟
بلا شك أحسن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن حين وقع في نهاية ديسمبر 2014 على ميثاق «روما «، وملحقاته المتعلقة بالجنائية الدولية، فقد جعل من مهام المجتمع الدولي تكريس جزء مهم من جهوده للحفاظ على عدالة القضية الفلسطينية وحماية الشعب المضطهد على أراضيه، ما يكسب قضيته المزيد من الدعم والزخم في عيون الرأي العام العالمي والذي لم يعد أمريكيا فقط، بل بات أمميا في كل الأحوال.
على الجانب الآخر والسؤال الأكثر غرابه: «هل يخدم هذا القرار إسرائيل؟
الظاهر للعيان انه يختصم معها ويضر بسمعتها، لكن عند العقلاء القرار يجعلها تفكر وتعيد التفكير في أمر السلام الذي تتهرب منه، والعنف الذي تتبعه، وأن تصحو على ما آلت إليه أحوالها في الأعوام الأخيرة.
إسرائيل اليوم تواجه رفضا أمميا أوروبيا وأمريكيا يبدأ من عند الأفراد ويصل إلى هيئات المجتمع المدني ويقترب مع مرور الزمن إلى الحكومات نفسها.
مؤخرا دعت منظمة حقوقية أوروبية البرلمان السويسري إلى عدم الاستجابة لضغوطات إسرائيل الهادفة إلى وقف تشريع يسمح باعتقال سياسيين وعسكريين تورطوا بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين.
ليس هذا فقط بل انه في الداخل الأمريكي هناك تحولات تزعج إسرائيل كما في حال السيناتور «بيرني ساندرز» الديمقراطي الساعي للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة له، وهو اليهودي الذي يطالب باقتطاع الكثير من المساعدات لإسرائيل وإرسالها إلى الجانب الفلسطيني.
ساندرز يرى أن بلاده قد دللت إسرائيل بما يكفي، وأنه حان وقت المحاسبة.
هل يجعل هذا القرار الأخير إسرائيل تستيقظ على أهمية التوصل إلى سلام عادل مع الفلسطينيين؟
هناك كارثة أخرى تعلو في الأفق مؤخرا مرتبطة بنشوء وارتقاء مرفوض جهة العداء للسامية… ماذا عن ذلك؟.