ميزانية 2020 وآفاق الاقتصاد الوطني

بدقة تامة وكما جرت العادة فقد تمّ أمس المصادقة على ميزانية عام 2020 وفق المرسوم الأول للعام الجديد، الذي أصدره حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- وهو تقليد متبع منذ سنين طويلة في أن يكون أول مرسوم من السنة الميلادية مخصص لهذا الغرض، ما يعني الالتزام ويعطي مؤشراً على الاتجاه الذي ينبغي السير عليه من تأكيد البرمجة والتخطيط وضرب المثل في ذلك الإطار.
إن الميزانية لأي دولة هي أرقام وبيانات ومعلومات لكنها تعكس في نهاية المطاف تصورات للأهداف والمبتغيات التي تسعى إليها الحكومة في شتى قطاعات الحياة الإنسانية، فالرجوع إلى هذه الأرقام ومن ثم ربطها بالمقتضيات المتنوعة يقود إلى تحديد مسارات الاقتصاد والمعرفة والثقافة والتعليم وغيرها.
لقد التزمت السلطنة منذ بداية عهد النهضة الحديثة في عام 1970م وتحديدا بعد تطبيق الخطط الخمسية الإنمائية، بالعمل على تخطيط جلي يقوم على الإلمام بكل الأبعاد الراهنة والمستقبلية وعكس ذلك في شكل موازنات مالية قامت في الأساس على الأهداف والرؤى المطلوب تحقيقها في المدى الزمني المعين، وهنا نتحدث عن موازنة سنوية تقوم على تحريك الدولة لعام كامل في القطاعات المتعددة بما يدعم أشكال الإنتاج وبناء الحياة الأفضل في شتى وسائل التنمية الشاملة والمستدامة.
تقوم ميزانية السلطنة على مراعاة الأبعاد الاجتماعية والمجتمعية الإنسانية في المقام الأول باعتبار أن هذا الجانب يشكل محور التنمية في البلاد، ومن ثم عبره تمرر سائر الأهداف الأخرى، فمعروف أن أي تطوير أو تحديث يصب في النهاية باتجاه هذا الهدف، وما الميزانيات إلا الإطار الرقمي لهذا المسار المنشود في حفز حياة الناس نحو الأفضل، في التعليم والصحة وسوق العمل وكافة المناحي التي تمكن من تحقيق الرفاهية والازدهار وكل ما يجعل المواطنين سعداء ويشعرون بثمرة التنمية والتطوير.
وفي السنين الأخيرة فقد بدأ جلياً أن مصدر النفط يتعرض لضغوط في الأسواق العالمية وقد تدرج ذلك المشهد منذ أكثر من أربع سنوات، ما استدعى إعادة التفكير في مجمل التصور في الميزانية، واتخذت حكومة السلطنة الخطوات التي مكنت فعلياً من ابتكار الحلول التي تجعل الاستدامة التنموية والاقتصادية قائمة دون خلل، ويتكامل ذلك بالطبع مع المضي في سياسات بدأت مبكراً يجري تعزيزها اليوم بشكل أكثر تسريعاً وهي قضايا التنويع الاقتصادي واستشراف كل ما من شأنه أن يتقاطع مع الاقتصاديات الحديثة في العالم المعاصر.
إن التحديات الأساسية بعيداً عن الأرقام تبقى في تعزيز الإنتاج والعمل بوصفهما حجر الرحى في دعم الاقتصاد ورفده بالمعاني والمفاهيم التي تجعله يتحرك إلى المنشود باتجاه حياة مستقبلية، ينعم فيها الجميع بالخير والفائدة المرجوة، كل ذلك يعني عملاً مضاعفاً بالمحافظة على المنجزات وحسن الإدارة الرشيدة والإيمان بالقدرات وحفز كل ما يمكن أن يجعل أي مجال يساهم بقيمة مضافة حقيقية للتطوير والتحديث.