فيلسوف كندي: «التفاهة» تحكم العالم!

د. مجدي العفيفي –

أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة «الخبير» هو ممثل «السلطة»، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل «المثقف»، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل. جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين! حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة إن «على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات».

كلما أشاهد نفرا من الذين يحكمون العالم وهم يجتمعون لمناقشة قضاياه، أو بالأحرى يخلقون أزماته ويعلنون انهم يبحثون عن تحقيق الازدهار والرخاء والاستقرار والسلام لهذا العالم وتحققه بكل الوسائل(!!) أستدعي هذا المشهد بكل فيه من دلالات مكثفة ومؤلمة وبغيضة بغضا طوله مئات السنين ولا يزال ممدودا وسيظل يمتد، وسيظل معروضا تراه الأجيال، لاسيما الأجيال العربية والإسلامية، والمستنير من الأجيال الغربية خاصة الأمريكية التي نتمنى لها الإفاقة المستمرة، وليس بين الحين والآخر، رغم اليقين غير المراوغ بأن الإفاقة قائمة، لكن صناع القرار هناك يحاولون إطفاءها، ولن يفلحوا إذن أبدا، مهما تفعل هوليوود أو توراة العصر الحديث.
عندما اكتمل عدد الركاب بالقطار المتجه من فرنسا إلى بريطانيا، كانت هناك امرأة فرنسية يجلس بجانبها رجل انجليزي بالصدفة.. بدا التوتر ظاهراً على وجه المرأة الفرنسية..
سألها الرجل الإنجليزي: لم أنت قلقة؟
قالت: أحمل معي دولارات فوق المصرح به وهي عشرة آلاف دولار..
قال: أقسميها بيننا فإذا قبضت عليك الشرطة الفرنسية، أو قبضت علي نجوت بالنصف؛ واكتبي لي عنوانك لأعيدها لك عند وصولنا إلى لندن، فاقتنعت الفرنسية وأعطته عنوانها!
ولكن عند التفتيش كانت الفرنسية تقف أمام الإنجليزي عند الشرطة، ومرت دون أية مشاكل..
وهنا صاح الإنجليزي: يا حضرة الضابط، هذه المرأة تحمل عشرة آلاف دولار نصفها عندي والنصف الآخر معها؛ وأنا لا أخون وطني، فقد تعاونت معها لأثبت لكم حبي لبريطانيا العظمى!
وفعلاً أعادوا تفتيشها مرة أخرى، ووجدوا المبلغ وصادروه، تحدث الضابط عن الوطنية وعن ضرر التهريب على الاقتصاد الوطني، وشكروا الإنجليزي، ثم عبر القطار إلى بريطانيا.
وبعد يومين، فوجئت المرأة الفرنسية بالرجل الإنجليزي نفسه عند باب بيتها، فقالت له بغضب: يا لوقاحتك وجرأتك ما الذي تريده الآن؟
فناولها مظروفا به (خمسة عشر ألف دولار) وقال ببرود: هذه أموالك مع المكافأة فاستغربت من أمره!
فقال: لا تعجبي يا سيدتي، فقد أردت إلهاءهم عن حقيبتي التي كان بها ثلاثة ملايين دولار؛ وكنت مضطراً لهذه الحيلة(!!).
نعم.. أحيانا قد يكون الذي يدعي الوطنية والشرف، هو اللص الحقيقي، فما أكثر أشباه هذا اللص، على أنه لا ينبغي أن نضيق المعنى والدلالة على الأفراد بل هي أنظمة سياسية لدول تعربد في العالم ذات اليمين وذات الشمال بشكل أو بآخر.
ولعلها من قبيل المصادفة أن يصلني هذا الكتاب الذي ينتزع الأقنعة بجدارة ومهارة من وجوه من يسميهم (التافهين) الذين يسيطرون على العالم بما يسمى بـ «ثقافة التفاهة». إذ أحرص دائما على محاورة كل صديق يمكث في الخارج بعضا من الوقت ثم يعود إلينا… يستهويني لقاؤه معرفيا.. لأن غواية المعرفة قوية، والمعرفة سلطة. وقد رفعت حاجب الدهشة ولم أخفضه إلا بعد أن انتهي محدثي عن تفاصيل الكتاب الذي حمله إلينا.. فأما الكتاب فعنوانه: «Mediocratie «، أو نظام التفاهة، وأما المؤلف فهو الفيلسوف الكندي (ألان دونو) ..
كتاب طار حول العالم محمولاً بأقلام الغرب ونقاده، بحثاً عن الأسباب التي جعلت التافهين يمسكون بمواقع القرار في العالم، سياسياً، واقتصادياً، وأكثر… يؤكد المؤلف أن التافهين قد حسموا المعركة. من دون اجتياح الباستيل (إشارة إلى الثورة الفرنسية) ولا حريق الرايخشتاج (إشارة إلى صعود هتلر في ألمانيا) ولا رصاصة واحدة من معركة «الفجر» (إشارة إلى المعركة الأسطورية بين بونتا وبراكمار)، ربح التافهون الحرب وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه…
يعطي أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية نصيحة فجّة إلى ناس هذا العصر: «لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلاً للتعليب. لقد تغير الزمن. فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة»!.
وحين يسأل عن أسباب هذا التحول، يعيد ذلك إلى عاملين اثنين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولي، السبب الأول يعزوه إلى تطور مفهوم العمل في المجتمعات. يقول إن «المهنة» صارت «وظيفة». صار شاغلها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. يمكن أن تعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه. أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل إلى «المتوسط». وصار أشخاصه «متوسطين»، بالمعنى السلبي للكلمة. صار العمل مجرد أنماط. شيء ما من رؤيوية شابلن في «الأزمنة الحديثة» أو فريتز لانج في رائعة «متروبوليس».
السبب الثاني مرتبط بعالم السياسة ومجال الدولة والشأن العام. هنا بدأت سيطرة التافهين يقول: ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارجريت تاتشر. يقول انه يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم. استبدلوا السياسة بمفهوم «الحوكمة»، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم «المقبولية المجتمعية»، والمواطن بمقولة «الشريك».
في النهاية صار الشأن العام تقنية «إدارة»لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة. صارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة «زمرته».
من هذين المنطلقين، تنميط العمل وتسليعه وتشييئه، وتفريغ السياسة والشأن العام، صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم. وصارت قاعدة النجاح فيها أن «تلعب اللعبة» حتى المفردة معبرة جداً وذات دلالة. لم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية، هي مجرد «لعبة». حتى أن العبارة نفسها راجت في كل لغات عالم التفاهة: «أن تلعب اللعبة» وهي قاعدة غير مكتوبة ولا نص لها. لكن يعرفها الجميع: انتماء أعمى إلى جسم ما، يقوم على شكليات السهرات والغداءات والانتقامات. بعدها يصير الجسم فاسداً بشكل بنيوي قاطع. حتى أنه ينسى علة وجوده ومبادئ تأسيسه ولماذا كان أصلاً ولأية أهداف…
أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة «الخبير» هو ممثل «السلطة»، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل «المثقف»، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل. جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين! حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة ان «على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات». لا مكان للعقل النقدي ولا لحسه. أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار لاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات «السوق».
هكذا يرى دونو أنه تم خلق نظام حكم التافهين. نظام يضع ثمانين في المائة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاكهم. ويسمح لخمسين في المائة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد في المائة من أثريائه. كل ذلك وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان.
كيف يمكن مواجهة حكم التافهين هذا؟ يجيب دونو: ما من وصفة سحرية. الحرب على الإرهاب أدت خدمة لنظام التافهين. جعلت الشعوب تستسلم لإرادات مجموعات، أو حتى لأشخاص، كأنهم يملكون عناية فوقية. بدل أن تكون تلك الحرب فرصة لتستعيد الشعوب قرارها. إنه خطر «ثورة تخديرية» جديدة، غرضها تركيز حكم التفاهة.
المطلوب أن نقاوم التجربة والإغراء وكل ما لا يشدنا إلى فوق. ألا نترك لغة الإدارة الفارغة تقودنا. بل المفاهيم الكبرى. أن نعيد معاني الكلمات إلى مفاهيم مثل المواطنة، الشعب، النزاع، الجدال، الحقوق الجمعية، الخدمة العامة والقطاع العام والخير العام… وأن نعيد التلازم بين أن نفكر وأن نعمل. فلا فصل بينهما. شكرا للباحث ثاني حسين الشمري على هذه الرؤية.. ثقافة التفاهة وسيطرة التافهين على العالم..
والأساس أن نقاوم..
فهل من مقاوم؟!