الإرث الموسيقي لثلاثة من أعلام الفن في القرن الماضي.. بعد ثلاثة أعوام على رحيلهم

برلين «د.ب.أ»: كان عام 2016 مأسويا على موسيقى البوب. ففي بدايته، تحديدا في العاشر من يناير توفي النجم البريطاني ديفيد بوي، الملقب بساحر البوب، عن عمر يناهز الـ69 عاما، في شقته بمدينة نيويورك، بعد معاناة مع سرطان الكبد. وفي الحادي والعشرين من أبريل من نفس العام أصيب عالم الموسيقى بصدمة بسبب وفاة المطرب والمؤلف الموسيقي الأمريكي برنس، نتيجة تناول جرعة زائدة من المسكنات، عن عمر يناهز الـ57 عاما. وقد عثر عليه وقد فارق الحياة في مقر إقامته في بيزلي بارك بولاية مينيابوليس.
وقبل نهاية العام، في السابع من نوفمبر توفي المؤلف الموسيقي والشاعر والمطرب الكندي ليوناردو كوهين عن عمر يناهز الـ82 عاما بمنزله في لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا.
منذ ذلك العام، الذي خيمت عليه الخسارة المروعة لمثل هؤلاء الموسيقيين الأسطوريين، عكف مسؤولو تراثهم الفني وشركات تسجيل أسطواناتهم على إطلاق مواد بعد وفاتهم في الأسواق لهذه الأصوات التي لا تنسى. وبعد ثلاث سنوات، يكرم عالم الموسيقى هؤلاء الفنانين من خلال لفتات تشمل ضمن أمور أخرى، إعادة إصدار أعمالهم الأكثر نجاحا، مثل ألبوم «1999» للمطرب برنس، وباقة منوعة تم تجميعها وأعمال لم تصدر من قبل للمطرب البريطاني ديفيد بوي والكندي كوهين.
يذكر أنه في آخر أعماله التي صدرت في حياته، أثبت ديفيد بوي ببراعة فائقة مدى خبرته في مجاله وبصفة خاصة قدرته على إعادة ابتكار نفسه. ويظهر ذلك بوضوح في إصدار آخر ألبوماته قبل يومين من وفاته بعنوان «بلاكستار» ويحمل ما يشبه وصيته الموسيقية، من خلال كلمات وصور محملة بخيال صوفي وأجواء سفر الرؤيا.
أما أول ألبوم يصدر لديفيد بوي فقد حمل عنوان «بلا خطة» أو «No Plan»، عام 2017 وضم ثلاث أغنيات لم تنشر من قبل، كان المطرب البريطاني قد سجلها أثناء مراحل إنتاج ألبوم «بلاكستار». من جانبها تؤكد مجلة «ميوزيك اكسبريس» المتخصصة، أنه ما من شك في أن بوي كان قد أنجز المزيد من الأغاني حتى قبل وفاته بفترة قصيرة، مرجحة أن خمسا منها جاهزة بالفعل في صورة تسجيلات بروفات. وليس من المستبعد أن يتم إصدار تلك الأعمال التي تعبر عن المرحلة الأخيرة من مرضه القاتل في أي وقت.
وبحسب شتيفان ريم روزانز أحد نقاد «ميوزيك اكسبريس»، تم إصدار أكثر من 40 أسطوانة منذ يناير 2016 وحتى الآن لنجم البوب البريطاني، تشمل مقتنيات نادرة، وإصدارات فاخرة على أسطوانات مدمجة وأسطوانات «فينيل» تضم أغاني فردية «سنجل»، فضلا عن إعادة إصدار العديد من ألبوماته المعروفة بالفعل.
هذا العام انتهزت شركة فرنر مالكة حقوق كتالوج أعمال بوي، اليوبيل الذهبي لأوديسا الفضاء، لكي تطلق في الأسواق ثلاثة إصدارات على أسطوانات الفينيل بحجم أصغر، وفي منتصف نوفمبر أصدرت « Conversation Piece»: عبارة عن صندوق يضم خمس أسطوانات مدمجة، وتضم 12 أغنية خاصة وغير منشورة من قبل ومرفق معها كتاب.
وتعتبر موسيقى بوي المتأثرة بملحمة الفضاء من إخراج العبقري ستانلي كوبريك، والذي يتناول ملحمة إطلاق الصاروخ الفضائي أبوللو 11 إلى القمر، بوابة عبوره إلى الشهرة عام 1968، لذا انتهزت الشركة المالكة لحقوق أعماله مناسبة مرور خمسين عاما على عرض الفيلم للتركيز على تلك الأغنيات التي كانت بمثابة علامة فارقة في تاريخ المطرب البريطاني.
أما كريزة الكعكة المهداة لكل محبي موسيقى ديفيد بوي والمولعين باقتناء ألبوماته فتتمثل في إصدار سلسلة من الأسطوانات الفاخرة تضم الأعمال الكاملة للمطرب البريطاني عبر مشواره منذ عام 1974 حينما أطلق ألبومه الأول «من أستطيع أن أكون، ثم مرحلة 1974-1976، وتضم أعمال المرحلة الأمريكية، والتي اتسمت بميله لموسيقى السول، ثم مجموعة «مسار جديد في مدينة جديدة» 1977-1982، وتشمل أغاني مرحلة برلين الشهيرة في مشواره، أما مجموعة «أحببت كائنا فضائيا» فتضم أعماله الأكثر نجاحا على المستوى العالمي خلال الفترة من 1983-1988، بعد أن تحول إلى نجم سوبر أو سوبر ستار.
في الوقت نفسه أدت وفاة برنس إلى إصدار العديد من الأعمال التكريمية لتذكير محبيه بمشواره الفني. وبمجرد حسم الجدل حول إرثه نتيجة لوفاته المفاجئة، بدأت عملية بحث بطيئة في مخزون الأعمال الغزير لأمير البوب والذي كان في يوم من الأيام منافسا قويا لمايكل جاكسون على الساحة الفنية، وقد تعامل القائمون على تراثه الفني بمنتهى الجدية مع هذه العملية.
في عام 2017، بعد إعادة إصدار عمله الفريد «المطر الأرجواني» 1984 في صندوق يضم أسطوانات مدمجة ودي في دي يضم حفلاته المباشرة، أطلق في التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي تم إصدار نسخة فاخرة مطولة من ألبوم «1999» الذي يعتبر أيقونة أعماله، ضم لأول مرة 35 «track» تنويعة لم تنشر من قبل.
يمثل الألبوم المزدوج، الذي تم إصداره لأول مرة في عام 1982، بداية نجاح أحد أكثر الفنانين ابتكارًا وتأثيراً في جيله، والذي تضمنت موسيقاه أنواعًا لا حصر لها، بما في ذلك الفانك السول والبلوز، موسيقى الروك والكنسية والجاز.
يصدر ألبوم برنس في نسخة «سوبر دي لوكس» منقحة ومزيدة تشمل 65 «track» تنويعة، بالإضافة إلى تسجيلات صوتية ومرئية لجولة 1982 والتي تعد بالنسبة لجميع عشاقه، رحلة طويلة وناجحة عبر المراحل المبكرة من مسيرة Prince الرائعة.
قبل نحو عام طرح للبيع أول ألبوم تحليلي لأعمال برنس بعد وفاته: «بيانو وميكروفون 1983»، ويعد شهادة رائعة على الإبداع الصوتي والمقدرة المذهلة على الارتجال لذلك المطرب الأمريكي العبقري، وقد تم تسجيل العمل في الأجواء الحميمة بمنزل برنس.
ترى، ماذا كان سيرى الفنان حيال كل هذا؟ هذا هو السؤال الذي سيظهر في كل مرة يتم فيها إصدار ألبوم لبرنس بعد وفاته. «ليس هناك الكثير الذي يجب أن يعرفه الناس عني، باستثناء موسيقاي»، ذكر برنس ذات مرة، والذي لطالما عرف عنه طابعه شديد التحفظ. ومن ثم ربما يمكن فهم هذا التصريح، على أنه شيك على بياض لمن يتصرفون نيابة عنه ويتحدثون باسمه.
عندما طرح للبيع ألبوم «الأصول» أو «Originals» ويضم 15 أغنية كان برنس يحتفظ بها كتسجيلات بروفات لفنانين آخرين أو أهداها لأصدقائه، أوضح مايكل هاو، مسؤول إدارة تراثه الفني للنسخة الرقمية من مجلة دير شبيجل الألمانية «كم الموسيقى التي ألفها برنس وقام بعد ذلك باستبعادها ضخم للغاية. لدينا هنا عمل يعد نتاج سنوات طويلة». ومع ذلك أكد أن الكلمة الأخيرة في النهاية ترجع لاتحاد الورثة، الذين سيتعين عليهم حسم جدل حول ما إذا كان برنس ليوافق في حياته على طرح هذا المشروع للجمهور من عدمه.
وأضاف هاو أن الأمر لا يتعلق بكسب مال سهل على أية حال، بل بالمراجعة الدقيقة لإنتاج ضخم من المؤلفات الموسيقية، مؤكدا «من وجهة نظري، لا يجب نشر كل ما يحتويه الأرشيف الفني للفنان الراحل. بالإضافة إلى أنه من وجهة النظر القانونية، لن يكون الأمر بهذه البساطة، لأن هناك أطرافا أخرى مشتركة من بينها فنانون وشركات إنتاج أسطوانات. ولكن على أية حال لدينا خطط عمل محددة تكفي للشهور الثمانية عشر القادمة».
يعتبر إرث ليوناردو كوهين أقل إثارة للجدل، نظرا لأن الفنان الكندي، الذي يعد جنبا إلى جنب مع بوب ديلان، من أكبر شعراء ومؤلفي موسيقى البوب، ترك إنتاجا أقل نسبيا. عقب ألبوم الوداع الذي أصدره كوهين في حياته بعنوان «أنت تريدها أكثر إظلاما»، عكف نجله آدم كوهين على مراجعة التراث الفني الذي تركه والده قبل وفاته. وذكر الموسيقي «47 عاما» «لقد كانت رحلة مؤثرة للغاية».
بمعاونة فنانين من مختلف الأنماط الذين يحترمون ويحبون ويقدرون المغني والمؤلف الموسيقي الكندي، قام آدم بتشكيل هذه المجموعة من المؤلفات التي لم يسبق نشرها، والتي خرجت للنور الآن تحت عنوان «شكرًا على الرقص»، ويعد أجمل تكريم ممكن للأب ليوناردو كوهين وأعماله.
تم نشر هذه الأغاني التي أطلقت أواخر نوفمبر على أسطوانات مدمجة وأسطوانات فونوغراف (فينيل) داخل مغلف أسود مكتوب عليه بحروف مذهبة «وداع أكثر رقة»، من تصميم ليوناردو كوهين، بينما كان في مرحلة متأخرة من مرض موته، وفقا لما أوضحه نجله بعد ذلك.
وبسؤاله حول ما إذا كانت هناك المزيد من الأعمال لنشرها في المستقبل، أجاب آدم كوهين بالنفي. ومن ثم يصبح من المحتمل أن يكون بإصدار هذا الألبوم بعد وفاة والده، يكون قد كتب الفصل الأخير عن المشوار الفني للشاعر والموسيقي صاحب الصوت الأجش، ما لم يقع الابن في غواية الحصول على مزيد من الأرباح من وراء اسم أبيه وتراثه الفني بعد رحيله.
لن يكون كوهين وبوي وبرنس أول أو آخر الفنانين العظماء الذين سيظلون سواء بدافع الحس التجاري أو (الجشع) أو حب الجمهور معينا لا ينضب لمزيد من الإصدارات وتحقيق الأرباح لسنوات طويلة.