صفة الشجعان وليس الضعفاء – الاعتذار.. ثقافة لا يجيدها الكل

كتبت – رحاب الهندي –

منذ تكوين الإنسان جنينا في رحم أمه وهو يحمل كينونة خاصة به تماما كاختلاف البصمات والصوت والشكل، ثم يتأثر نوعا ما بمحيطه الذي يكتسب منه المهارات، ومن بعض التصرفات المفترض أن يعمل بها الإنسان هو الاعتذار، خاصة إذا كان مخطئا، لكن البعض يرفض هذا التصرف ويعتبره ضعفا. في استطلاعنا مع البعض اكتشفنا ما يلي:
في حوارنا مع عبد الحميد الهنائي (طالب جامعي) أجاب: يعتقد كثيرون أن الاعتذار نقطة ضعف لا يجب إظهارها، كونها دليل انكسار وهزيمة لا تليق بهم، ومن هذا المنطلق فإن أشد المكابرين الرافضين للاعتذار هم من الذين يصنفون أنفسهم كطبقة مثالية لا تخطئ، وإن أخطأت فهي سامية لا تعتذر لمن هم دونها مرتبة، وفي هذا شيء من صفات الشيطان ألا وهو الكِبَر.
فالاعتذار ليس دليل ضعف أو فشل، كي نخجل منه، يكفي أن نعلم أن مجرد الاعتذار هو اعتراف بالخطأ ورجوع عنه، وبالتالي فإن ترجمة هذا الشعور إلى فعل حسي ملموس، يحتاج إلى قوة محركة تجبر النفس على النزول إلى الحق ومحاسبة ذاتها، وهذا لا يكون إلا عند من ملك صفة الشجاعة. فإذا كنت من الذين يَجّبُرون الإساءة بالاعتذار فاعلم أنك شجاع.
وتتحدث صفية البلوشية (مدرسة) بقولها: الاعتذار ليس كلمة تقال في زحمة الحديث وتبرير الخطأ، أو البحث عن مخرج من الورطة التي سببها سلوك ما خاطئ، الاعتذار يعني الاقتناع التام بأن هناك خطأ ينبغي تصحيحه، وهو ما أوجب الاعتذار، وبالتالي فإن نوع الاعتذار لابد وأن يقترن بنوع الخطأ وحجمه. أن نخطئ فنعتذر لا يعني أننا أشخاص سيئون، بل جيدون لأننا نحاول إصلاح أخطائنا، فليس من بشر معصوم عن الخطأ بعد الرسل.

وأحاول دوما تعليم أبنائي وطالباتي أهمية الاعتذار، وأحب أن أقول هنا أننا كشعب عماني بشكل عام نعتذر إذا صدر عنا خطأ، فقلة قليلة منا لا تعترف بالاعتذار. والاعتذار الصحيح له شروط لابد من توفرها، وأهمها: سرعة المبادرة بالاعتذار، وعدم محاولة تبرير الخطأ، والصدق في الاعتذار، وعدم التعالي أو التلاعب بالكلمات، إلى جانب أهمية اختيار الوقت والطرق المناسبة، فقد تكون نية البعض بالاعتذار صادقة، لكن طريقة اعتذارهم ربما تزيد الأمر سوءا، فتتفاقم المشكلة بدل حلها، ومرد هذا الأمر الجهل بثقافة الاعتذار والسلوك الذي ينبغي اتباعه، فالاعتذار هدية تعبر عن تقديرنا وحبنا أو احترامنا لمن أخطأنا بحقهم. فاعتذر أولا عن الخطأ وبشكل واضح وصريح لا لبس فيه، ثم ناقش وبرر ووضح في حال دعت الضرورة لذلك.
فضيلة
هلال البوسعيدي (مدرس لغة عربية) أجاب: الخطأ مع الله عز وجل هو أعظم الأخطاء حيث يقابله استغفار وتوبة نصوح، وهو أسمى مراتب الاعتذار، والتوبة هنا أسف وندم مقرون بتعهد على عدم الرجوع لهذا الخطأ مجددا، لكن الإنسان بطبعه مجبول على الخطأ، فنجده يعود إلى معصية الخالق بشكل أو بآخر، فيذنب ويتوب ثم يذنب ويتوب، ولا يزال الله يغفر ويقبل توبة العبد ما لم يغرغر. فيقول الله عز وجل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). الزمر:3. (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون) حديث.
فالاعتراف بالخطأ فضيلة، والاعتذار عنه فضيلة أخرى، كلاهما فضيلتان تعززان الحفاظ على روابط الألفة والمحبة بين البشر، وهما في نفس الوقت وسائل تمنعنا من فقدان من نحب. ويعتقد البعض أن من البشر من لا يستحق الاعتذار، في حين أن البعض الآخر لا يتردد بالاعتذار لشخص غريب، لكنه يجبن عن الاعتذار لقريب أو صديق، وهذا تناقض صارخ مرده لأحد أمرين: إما استعلاء وتكبر، أو أنه يتوقع من الطرف الآخر أن يتفهم الموقف ويسامحه بشكل آلي؟
سعدية البلوشية (ربة بيت) تضحك قائلة: لن نخسر شيئا حين نعتذر، لكن عندي ابن، الله يهديه يرفض أن يعتذر منذ طفولته، وعنيد بشكل أخاف عليه من خسارة من حوله، لكني لن أقطع الأمل في أن يتصرف جيدا، وأن يعتذر بأسلوب جديد بعيدا عن الكلمات، كأن يشتري هدية يقدمها لمن أخطأ بحقه.

أنواع الاعتذار
محمد السيابي (تخصص علم نفس) أجاب: الاعتذار بحسب سيكولوجية الأشخاص، له أنواع متعددة، اعتذار شكلي: غالباً ما يكون رفعاً للعتب، لكنه بالعموم غير صادق. واعتذار مجاملة: ويهدف لمجاملة شخص ما عن خطأ بسيط قد لا يستدعي الاعتذار وربما يكون بهدف لفت الانتباه. واعتذار سريع: غالباً ما يتم تقديمه فور حدوث الخطأ، الذي ربما يكون عارضاً أو نتيجة سوء فهم، وسرعة الاعتذار لا تعني أنه رفعاً للعتب. وكذلك اعتذار مجادلة: هو اعتذار يصاحبه جدال لا يعترف بالخطأ، ويسعى لتبريره، وربما يكون اعترافا جزئياً بالخطأ أو رفعاً للعتب. واعتذار المكره: يكون بناء على خشية من سلطة أو قضاء أو أشخاص ذوي نفوذ، أو تجنباً لخسارة شخص ما أو تلافي عقوبة. إضافة إلى اعتذار صريح: هو الاعتذار الواضح الذي لا لبس فيه، والناتج عن قناعة المعتذر بخطئه وسعيه لإصلاحه، ويركز على كسب ود الآخر.