عطر: معذرة سقراط

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

لا يمكنك أن تكتب عن الجمال والحب ، هذان المفهومان اللذان شغلا الإنسان بأبعادهما حتى غرق فيهما، ووصفهما حينا ونقدهما حينا آخر، إلا وتشعر أنك متورط بشكل عميق في ذاتك وكأنك تكتشفهما من خلال تفاعل حواسك مع التباس المفهومين.
من جهة أخرى اجتهد الفلاسفة في تحديد مفهومي الجمال والحب، في موضوع الجمال نجد سقراط مثلا يرى: «أن الجمال هو جمال هادف، إذ أن الجمال هو ما يحقق النفع أو الفائدة أو الغاية الأخلاقية العليا». لكن سقراط لا يسقط في فخ الشكل الملموس حسيا والذي تأثر به شعراء وفنانين عاصروه قدر تركيزه على جمال النفس والخلق الفاضل، ويبدو ذلك في سؤاله الشهير الذي شكك فيه أن لا يتوافق جمال الشكل مع جمال النفس: «أيمكن ألا ينطوي هذا الجمال الساحر على نفس تناسبه جمالاً وخيرا؟»، أما في موضوع الحب يقول: «يجب أن نعرّف طبيعة وقوة الحب وأن نرى إن كان الحب يجلب فائدة أم ضرراً».
سقراط يريد من المفهومين أن يرتقيا لما هو خير مطلق للإنسان، لا يريد الضرر، لذلك توصل إلى أن اللاعقلانية بالحب هدامة وقد تجعل الإنسان يسقط في أغوار شهواته لأن الحب أناني قد يستبد بالحبيبين ويحركهما ضد مصالحهما.
نجد الشاعر أريستوفان بالخطبة التي ألقاها في مأدبة أفلاطون والتي جمعت أهل الفن والشعر والتي كانت الأكثر شاعرية ورومانسية بين الخطب التي تلاها الشعراء والفلاسفة، يقول محاولا الإجابة عن سؤال: من أين جاءت حاجتنا إلى الآخر؟ «لم نكن دائما في هيئتنا الحالية؛ ففي قديم الزمن، كان البشر يمتلكون رأسين، وأربع أذرع، وأربع سيقان، وضِعف قوة أي منا الآن. خائفا من قوتهم وتمردهم، أمسك زيوس سيفه وهوى على أجسادهم قاسما كلا منها إلى نصفين. ومنذ تلك اللحظة، كُتَب على كل منا أن يعيش معذبا إلى الأبد بحنين لا شفاء منه لنصفه الآخر».
هو يرى أن هذا الأمر ترك أرواحا وأجسادا مقسومة وتائهة تبحث عن الكمال برغبة ملتهبة وعاطفة متقدة بحثا عن الاكتمال، لأن كل طرف يبحث عن الآخر ليعيشا وينموا معا، من هنا لا نجد تفسيرا لماذا يقع شابا وسيما بحب فتاة اقل منه جمالا أو العكس صحيحا لذا تسقط المعايير، وتنتصر المعجزة العشقية التي خاف منها العقلاء وحذروا من أن القلب أعمى والروح قد تتوه والجسد قد يسقط في الرغبات الملتبسة.
تعثرات الهوى والجمال وسقوط العقل أمام سحرهما قد لا ينجو منهما أحد، فالجميع تقريبا لديهم تجارب غير ناجحة ومعقدة، وطبعا الفلاسفة براء من هذا، لأنهم حاولوا واجتهدوا وفكروا وحللوا وكتبوا رؤيتهم، ومع هذا العناد في رغبة كل فرد برؤية هذا العالم من زاويته والتفاعل مع مفاهيمه الخاصة التي تحدد وعيه لمفهومي الجمال والحب. فكرة أن تجربة كل إنسان هي فريدة وخاصة ومختلفة فكرة غير علمية، بل فكرة عاطفية بحتة، لأن العلم قادر على وضع تصور يقترب من الواقع نتيجة البحث بالتجارب المماثلة ولكن الجميع ينتصر لذاته.
معذرة سقراط فأين انت اليوم من مفهومي الجمال والحب اللذين دخلا عالم المزايدات والإعلانات وباتا يخضعان لشروط تسويقية؟ الجمال اليوم لم يعد مطلقا بل أصبح جزئيا ومخادعا واصطناعيا، وهذا ليس في شكل الإنسان ومحيطه وذوقه فقط بل بكل ما يرتبط بوجوده.
تختلف النظريات عن الواقع المعاش، بل قد نجدها تمتاز بالغرابة حين يتعلق الأمر بالثنائية الإنسانية الجمال والحب، وقد عجز الكثيرون عن إيجاد مفهوم ثابت، لكن ما هو مؤكد أن الحب لا يشترط الجمال.