المنظمات الدولية باقية رغم كل المشكلات!!

د. عبد الحميد الموافي –

إذا كانت الدبلوماسية، في أحد تعريفاتها، هي علم وفن إدارة العلاقات والمفاوضات مع دولة، أو أكثر من الدول الأخرى، سواء على الصعيد الثنائي أو المتعدد الأطراف، فإن الدبلوماسية متعددة الأطراف تتجاوز عادة، وبحكم التعريف، الدبلوماسية الثنائية، أي التي تتم بين دولة وأخرى، فتعدد الأطراف يعني ببساطة وجود أكثر من طرفين، ثلاثة أطراف أو أكثر، ومن هنا تحديدا فإن الدبلوماسية متعددة الأطراف تختلف بالضرورة عن الدبلوماسية متعددة المسارات، لأن الدبلوماسية متعددة المسارات تعني تعدد السبل أو الممارسات أو مجالات العمل الدبلوماسي، الذي يمكن أن تتبعه الدولة في إدارة علاقاتها ومتابعة تحقيق مصالحها، أو حل خلافاتها، أو بناء الثقة مع دولة أو دول أخرى.

وهنا فإن الطرف الفاعل هو الدولة، التي تعمد إلى اتخاذ سبيل أو آخر لتحقيق ما تريد، سواء من خلال الدبلوماسية الرسمية، أو الدبلوماسية الشعبية، أو الدبلوماسية البرلمانية، أو غيرها من سبل العمل الدبلوماسي، التي تطورت وأصبحت تتسع للكثير من الممارسات الرياضية والعلمية والتقنية والمجتمع المدني ودبلوماسية المساعدات وغيرها.
ولكن الدبلوماسية المتعددة الأطراف تفترض دوما ثلاث دول أو أكثر، سواء تمت إدارة العلاقات عبر الدبلوماسية الرسمية، أو عبر أي سبيل من السبل الدبلوماسية الأخرى التي تمت الإشارة إليها .
ومع الوضع في الاعتبار إن الدبلوماسية المتعددة الأطراف -أي بين ثلاث دول أو اكثر – لا تنشأ ولا تستمر، ولا تزدهر إلا إذا كانت هناك مصالح مترابطة، أو متقاربة، أو مشتركة، أو مأمولة، بين أطرافها، سواء من منطلقات تكتيكية، أو استراتيجية، وهو ما توجد العديد من الأمثلة عليه، وعلى حدوثه وذبوله أو انتهائه أيضا بفعل عوامل عديدة تتعرض لها العلاقات بين الدول وحسابات المصالح فيما بينها في مرحلة أو أخرى، فإنه أصبح من المعروف أن التنظيمات الإقليمية والدولية وأشكال التحالفات الاقتصادية والعسكرية، الإقليمية والدولية، هي الأوعية، أو الأطر التي تتم من خلالها -في معظم إن لم يكن كل الأحيان تقريبا- الدبلوماسية متعددة الأطراف، حيث تحاول مجموعة من الدول، العمل معا لتحقيق ليس فقط المصالح الفردية لكل منها، ولكن أيضا المصالح المشتركة لها في مواجهة قوة أو قوى أو أطراف أخرى بالنسبة لقضية أو مشكلة أو مجال ما من المجالات.
ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن الدبلوماسية متعددة الأطراف، التي تتم بين مجموعة ما من الدول في وقت أو آخر، أو بالنسبة لقضية أو أخرى، لا تعني بالضرورة الاتفاق بين تلك الأطراف المعنية بالنسبة للقضايا الأخرى بالقوة نفسها أو الأهمية. فالدول الأعضاء في أية منظمة، أو تحالف أو صيغة تعاون ما، إقليمية أو قارية أو دولية، لديها العديد من نقاط الاتفاق فيما بينها، كما انه توجد بينها خلافات أو تفاوت في المصالح بالنسبة للقضايا الأخرى، وهو ما ينعكس بالضرورة، وبأشكال مختلفة، على موقف كل منها من المنظمة أو من إطار التعاون الذي يجمعها مع الدول الأخرى الأعضاء. وفي هذا الإطار فانه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
• أولا: من المؤكد أن قدرة الدولة على ممارسة، أو الدخول في صيغ الدبلوماسية متعددة الأطراف، مع دولتين أو أكثر، سواء في محيطها الإقليمي، أو خارجه، إنما تتأثر لدرجة كبيرة بسياسات تلك الدولة، وبمواقفها من القضايا المختلفة التي تؤثر، أو قد تؤثر على مصالحها في الحاضر أو المستقبل، وكذلك بكيفية وسبل إدارتها لعلاقاتها مع الدول والأطراف الأخرى، وبمدى الثقة التي تحظى بها لدى الأطراف الأخرى. هذا فضلا عن أن سلوك الدولة في إطار منظمة أو صيغة تعاون ما تنتمي إليها، تتأثر بالضرورة برؤية الدولة لتلك المنظمة، أو لصيغة التعاون تلك، ولتقييمها لقدرة تلك المنظمة على خدمة أو تحقيق مصالحها، أو الأهداف التي تريد تحقيقها من خلال الانتماء إلى المنظمة، وهي مسألة لا تتسم بالثبات الدائم ولكنها تتغير، أو قد تتغير مع تغير رؤية الدولة لأهمية المنظمة ولفائدة الاستمرار في العمل من خلالها؛ ولذا كثيرا ما نشهد العديد من التغيرات التي تحدث في مواقف الدول حيال المنظمات أو صيغ التعاون التي تعمل من خلالها.
وفي ظل ما هو معروف من أن المنظمات وصيغ التعاون المتعدد الأطراف هي الأوعية أو الأطر الشائعة للدبلوماسية متعددة الأطراف، فإن مواقف الدول من تلك المنظمات أو صيغ التعاون تترجم عادة، أو يتم التعبير عنها، في أحد جوانبها، في مدى التزامها بسداد أنصبتها في ميزانية تلك المنظمة، صغيرة كانت أو كبيرة، وبغض النظر عن حجم تلك المساهمة أيضا . ويتفاقم الأمر حين لا تمتلك المنظمة سبيلا للضغط على الأعضاء للوفاء بالتزاماتها المالية التي قبلتها عادة بالتراضي. وعادة ما يتم تحديد أنصبة الدول الأعضاء في منظمة ما وفق مجموعة من الأسس والمعايير التي يتم الاتفاق عليها والتي تتناسب أيضا مع إمكانيات الدول المختلفة. وإذا كانت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد اتفقت منذ تأسيس المجلس على أن تكون أنصبة الدول الأعضاء في ميزانية المجلس متساوية، حرصا منها جميعها على النهوض بالمجلس وتحقيق أهدافه، فانه من المعروف أن مصر تحملت الجزء الأكبر من ميزانية جامعة الدول العربية منذ إنشائها وبنسبة 42% منها وحتى بعد هزيمة يونيو 1967 وقد تم في سبتمبر عام 1970 تطبيق معيار لتحديد أنصبة الدول الأعضاء وبموجبه انخفض نصيب مصر من 23.73% إلى 15.16 % وتم وضع حد أعلى وحد ادني لأنصبة الدول الأعضاء وان يعاد النظر في الأنصبة كل اربع سنوات. ووصلت ميزانية الجامعة في هذا العام إلى نحو 61 مليون دولار .
• ثانيا: من المعروف على نطاق واسع أن المال هو عصب عمل المنظمات الدولية، إقليمية كانت أو قارية أو عالمية، فمنه يتم تمويل أنشطة المنظمة وبرامجها واحتياجاتها الإدارية والتنظيمية والسياسية، وعادة ما يؤدي نقص التمويل إلى عرقلة أنشطة المنظمة، وعدم تنفيذ برامجها، وحتى شل قدرتها على العمل أحيانا، وهو أمر تقع المسؤولية عنه عادة على عاتق الدول الأعضاء، بحكم أنها تشكل المصدر الأساسي لتمويل المنظمة وأنشطتها المختلفة .
جدير بالذكر أن مشكلة المتأخرات المالية، أي عدم قيام الدول الأعضاء أو بعضها بتسديد أنصبتها كاملة في الميزانية، وتراكم المتأخرات على بعض الدول الأعضاء، هي من اهم المشكلات التي تتعرض لها المنظمات الدولية، ومنها جامعة الدول العربية والأمم المتحدة وغيرها. ويعود تقاعس الدول الأعضاء في الوفاء بالتزاماتها المالية للمنظمة، وهي التزامات ليست ضخمة في معظم الأحيان، إلى أسباب عديدة من أبرزها رغبة الدولة في الضغط على المنظمة، أو رغبتها في إبداء معارضتها لموقف ما تتخذه المنظمة، أو بسبب مشكلات بينها وبين دولة اخرى في المنظمة، أو محاولة لدفع المنظمة للسير في اتجاه محدد بالنسبة لقضية أو قضايا محددة تهم تلك الدولة، أو لاقتناع الدولة بأن أهمية المنظمة لتحقيق مصالحها قد تضاءلت عما كانت عليه من قبل، أو ردا على عقوبات ما تبنتها المنظمة ضد الدولة في وقت معين، أو لفقر الدولة ومرورها بأزمة مالية ما بسبب الحروب أو المشكلات التي تتعرض لها في فترة أو اخرى.
وفي نهاية الأربعينيات ومنصف وأواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات وعلى امتداد العقدين الأخيرين أيضا واجهت الجامعة العربية أوقاتا حرجة بسبب مشكلة المتأخرات، ووصل الأمر إلى حد التفكير في الاقتراض في عام 1958. وفي أحيان كثيرة اضطرت الأمانة العامة للجامعة إلى ترشيد الإنفاق للحد من أثر المتأخرات المالية على الدول الأعضاء. ولا تزال قضية المتأخرات تلقي بظلالها على أنشطة الجامعة العربية حتى الآن، حيث اشتكى الأمين العام للجامعة العربية منها أكثر من مرة أخرها في سبتمبر الماضي. والمؤكد أن الخلافات العربية والتطورات التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية تسهم إلى حد كبير في استمرار وتفاقم مشكلة المتأخرات، التي يمكن وصفها بالوجه المالي للموقف السياسي للدول الأعضاء حيال الجامعة.
• ثالثا: إذا انتقلنا إلى الأمم المتحدة، التي تعد بمثابة الإطار العالمي الأوسع للدبلوماسية متعددة الأطراف، بحكم أنها تضم في عضويتها 193 دولة من دول العالم، وبحكم أنها المنظمة العالمية الأم التي تمثل النظام الدولي الذي نشأ على انقاض عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، فإنها عانت خلال العقود الماضية من مشكلة المتأخرات المالية، ولم تكن استغاثة انطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة في سبتمبر وأكتوبر الماضيين ومناشدته للدول الأعضاء للمسارعة بتسديد التزاماتها في ميزانية الأمم المتحدة، سوى آخر استغاثة في هذا المجال، وذلك بعد اتخاذه عدة اجراءات لترشيد الإنفاق حتى في مقر الأمم المتحدة في نيويورك وفي مقارها في جنيف وفيينا ونيروبي. ومع التأكيد على أن الأمانة العامة للأمم المتحدة قد تواجه صعوبة في صرف رواتب العاملين والبالغ عددهم نحو 37 ألف موظف، وفق ما اعلنه جوتيريش ذاته، فان الإدارة الأمريكية الحالية، التي لا تخفي استهانتها بالأمم المتحدة، بل تتخذ منها مواقف سلبية بسبب موقفها من إسرائيل، هي اكثر الدول الأعضاء التي عليها متأخرات تصل إلى 674 مليون دولار في موازنة عامي 2018 و2019، ويبلغ إجمالي المتأخرات المتراكمة على أمريكا نحو 1،55 مليار دولار ومعروف أن أمريكا تساهم ب22 % من ميزانية الأمم المتحدة، والتي تبلغ 3 مليارات دولار في عام 2020 . وبينما استخدم ترامب الضغط المالي سواء حيال الأمانة العامة للأمم المتحدة، أو حيال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عندما أوقف التمويل الأمريكي لها، فان دعوة ترامب لإصلاح العمل في الأمانة العامة للأمم المتحدة ما هو إلا غطاء لعدم تسديد أمريكا لالتزاماتها المالية للمنظمة الدولية التي يقع على عاتقها العمل من أجل حفظ السلام والأمن الدوليين، وهو أمر لا ينفصل في النهاية عن رؤية ترامب، ومن ثم الولايات المتحدة للأمم المتحدة ولدورها، وكذلك للولايات المتحدة ودورها على المستوى الدولي الآن وفي المستقبل .
ومع إدراك أن تأثير الولايات المتحدة كبير وملموس في الأمم المتحدة وأنشطتها المختلفة، إلا انه من حسن حظ العالم أن النظام الدولي يظل أوسع بكثير من الولايات المتحدة، وانه بالرغم من الممارسات الأمريكية الانعزالية المتزايدة، إلا أن الإرادة الدولية، حتى الآن على الأقل، والمتمثلة في التوافق الأوسع على مستوى العالم يظل مؤيدا لبقاء واستمرار النظام الدولي ممثلا في الأمم المتحدة. نعم هناك حاجة حقيقية لإصلاح العمل داخل الأمم المتحدة، سياسيا وقانونيا وإداريا وماليا أيضا، وهو ما بدأ منذ أوائل التسعينيات خلال تولي الدكتور بطرس غالي لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة وقبله أيضا، ولكن ما لا يقل عن ذلك أهمية هو أن آلية العمل من خلال الأمم المتحدة لن تعمل بكفاءة وقدرة على التأثير ولو النسبي إلا إذا توفرت للأمانة العامة للأمم المتحدة الأموال الكافية لأداء مهامها.
واذا كانت الدول الأعضاء قد رفضت دعوة جوتيريش لزيادة أنصبتها في ميزانية الأمم المتحدة ومن ثم زيادة الموازنة، فان الحد الأدنى المطلوب هو الوفاء بالالتزامات المحددة حتى الآن، وعدم التقاعس عن تقديم المساعدات والهبات لبرامج حفظ السلام وبرامج الحفاظ على البيئة وغيرها التي تقوم بها الأمم المتحدة التي لا تعتمد على ميزانية الأمم المتحدة، غير أن ذلك يتطلب ليس فقط الإدراك الدولي للحاجة إلى استمرار الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية الاخرى ولإسهاماتها في العمل لحل الكثير من القضايا الدولية، ولكنه يحتاج أيضا إلى الإرادة السياسية الكافية لترجمة ذلك إلى مساندة حقيقية وعملية لعمل الأمم المتحدة، وتلك المنظمات، وهنا تحديدا تلعب الدبلوماسية متعددة الأطراف دورا حيويا لتحقيق ذلك. ولأن العالم والسلام والأمن الدوليين لا يزالان في حاجة حقيقية لجهود الأمم المتحدة، وهي المنظمة الدولية الأم التي تجمع اكبر عدد من دول العالم، فان ما يحدث من تغيرات في أدوار بعض القوى الدولية ومنها الولايات المتحدة لن يؤدي في المدى المنظور والمتوسط إلى إضعاف أو إنهاء دور الأمم المتحدة لسبب بسيط هو أن هناك وعيا دوليا متزايدا بأهمية العمل الجماعي الدولي، ومن خلال الدبلوماسية متعددة الأطراف داخل الأمم المتحدة وخارجها لحل العديد من المشكلات، سواء على صعيد قضايا السلام والأمن الدوليين، أو على صعيد المناخ والبيئة والتنمية ومشكلات الأمية ونقل التكنولوجيا وغيرها، فالشعوب أصبحت اكثر إدراكا لقيمة ما يجمعها من مصالح مشتركة ومن ضرورة العمل معا بقدر الإمكان لإنقاذ كوكبنا الذي نعيش عليه، أما الاتجاهات الانعزالية والعمل في إطار المصالح الضيقة فإن مآلها إلى الزوال اليوم أو غدا، وتظل الدبلوماسية متعددة الأطراف من اهم أدوات العمل المشترك لخدمة مصالح دول وشعوب العالم المحبة للسلام والعاملة من أجله، ولن يهددها أزمة مالية تتعرض لها الأمم المتحدة أو الجامعة العربية الآن. فالأزمة الحالية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بالتأكيد.