تطوير طرق التدريس في بكالوريوس علوم التربة واتباع منهجية التعليم القائم على الاستقصاء

ابتكار أول مرشد آلي سياحي للمتاحف العمانية بالسلطنة يتفاعل بلغات متعددة –
كتبت – مُزنة بنت خميس الفهدية –

قال الدكتور سعيد بن سالم الإسماعيلي أستاذ مشارك بقسم التربة والمياه والهندسة الزراعية بجامعة السلطان قابوس حول مشروعهم الفائز في الجائزة الوطنية للبحث العلمي للعام 2019م الذي جاء تحت عنوان «تطوير آلية التعليم من التعليم المباشر إلى المُمنهج وثم الاستقصائي لطرق التدريس في برنامج بكالوريوس علوم التربة: دراسة حالة من جامعة السلطان قابوس «إن مراجعة وتنقيح البرامج الأكاديمية التقليدية من خلال دمج الأنشطة البحثية في المقررات الدراسية واتباع منهجية أو استراتيجية التعليم القائم على الاستقصاء هو توجه حديث للجامعات في جميع أنحاء العالم. ويُعرَّف التعليم الاستقصائي من قِبل الخبراء كإحدى الطرق التعليمية والهادفة نحو تنمية قدرة الطالب على التعلم الذاتي، وبالتالي تأصيل عادة التعلم مدى الحياة وتعزيز العديد من المهارات البحثية والفكرية، يؤكد خبراء التعليم العالي في السلطنة على حاجة المناهج الجامعية للممارسات التعليمية والقائمة على التفكير البحثي والنقدي والتعلم النشط، وذلك من ضمن المهارات الأساسية لدى الطالب الجامعي للتعامل مع المعطيات ومواجهة التحديات المستقبلية ذات الصلة بالحياة المهنية».
وأضاف «يعتبر تخصص علوم التربة من ضمن التخصصات التطبيقية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمناشط الحياتية وذات علاقة وطيدة بالعلوم الأخرى كالزراعة والهندسة والجيولوجيا والكيمياء والاقتصاد وكذلك علم الاجتماع وعلم الآثار والعلوم البيئية وغيرها، وتعتبر التربة الركيزة الأساسية في خضم العديد من القضايا والتحديات المعاصرة والمستقبلية ذات الصلة بالأمن الغذائي والمائي والبيئي في سلطنة عُمان، كما هو الحال في العديد من المناطق الأخرى، وخاصة الدول ذات المناخ القاحل وشبه القاحل».

استكشافات وبحوث

وأكد في حديثه أن السلطنة في الوقت الحالي تتمتع بوضعٍ يُمكّنها من إجراء المزيد من الاستكشافات والبحوث في المواضيع والقضايا المتعلقة بالتربة بما في ذلك تحسين الإنتاج والمردود الزراعي في ظل ظروف قاسية من شح المياه العذبة وملوحة التربة والجفاف، وتحسين كفاءة استخدام مياه الري باستخدام تقنية هندسة التربة للزراعة الحضرية، ونباتات الزينة، والمسطحات الخضراء، والاستخدام الحكيم لمياه الصرف المعالجة ثلاثيًا في ري الأراضي الزراعية، وزراعة وتحديد الجينوميات والميتاجينوميات في التربة، باستخدام ميكروبات التربة الوظيفية للإنتاج الزراعي ومعالجة الأراضي، ودراسة مصير الملوثات ومسببات الأمراض في النظم الإيكولوجية للمياه والتربة، لاسيما في المجتمعات الحضرية سريعة التوسع في السلطنة، والسعي نحو نُظم الزراعة المتكاملة، بما في ذلك تحسين المواد العضوية في التربة.
لذا اقتضت بأن يكون لدى خريجي علوم التربة المهارات البحثية الأساسية والتطبيقية التي تُمكّنهم من التعامل مع المناهج ذات التخصصات المتعددة، وذلك لإيجاد حلول عملية وتلبية احتياجات البلد في كل ما يتعلق بالقضايا الاستراتيجية ذات الصلة بالزراعة والغذاء والمياه والأراضي والصحة والتنوع الأحيائي.
ومن هذا المنطلق، وتماشيًا مع الاستراتيجية الوطنية للبحث والتطوير (2020-2040) في تعزيز رأس المال الفكري والقدرات المكتسبة من قِبل الباحثين الشباب، ومع السعي الدائم من جامعة السلطان قابوس بتطوير وتجويد برامجها الأكاديمية مواكبةً مع أحدث طرق التعليم المتبعة في أرقى الجامعات العالمية ارتأى فريق بحثي من جامعة السلطان قابوس على تقديم ثلاث استراتيجيات كنموذج يمكن أن يحتذى به لتدريس برنامج البكالوريوس في علوم التربة بالجامعة والمبنية على دمج الأنشطة البحثية في المقررات الدراسية واتباع منهجية التعليم القائم على الاستقصاء.

الأسس

وأشار إلى الأسس المتبعة لتطوير برنامج علوم التربة والموجه نحو التعليم القائم على البحث العلمي والاستقصاء المستندة على ثلاث استراتيجيات متداخلة وهي تطوير مساقات أو مواد برنامج البكالوريوس للتربة من التعليم المباشر من خلال التعلم المنظم وصولا إلى التعليم بالاستقصاء والتحقق: حيث يتم منهجة وتقسيم مساقات البرنامج إلى ثلاث فئات: (أ) مساقات تُعنى بالتوجيه التعليمي المباشر هادفًا إلى غرس المبادئ والمفاهيم الأساسية لعلوم التربة وعلاقتها بالعلوم الأخرى وتعليم الطالب ممارسة الأساليب والتقنيات المختبرية الأساسية (ب) مساقات تُعنى بتوظيف وتنمية الاستيعاب المفاهيمي وقدرة الطالب على الإلمام بالعمليات والتفاعلات الكيميائية والفيزيائية والحيوية القائمة بين نظام التربة والنظم البيئية الأخرى كالنظام الصخري والمائي والحيوي والجوي، حيث تتضمن هذا الفئة من المواد التدريسية على مشاريع بحثية محدودة النطاق وذات الطابع الجماعي وأسئلة بحثية محددة يطرحها المحاضر على الطالب (ج) مساقات متقدمة ومعززة لمنهجية التعليم الاستقصائي والتي من خلالها يقوم الطلبة بطرح أفكارهم البحثية ومن ثم تبَنيها وتنفيذها وفق أسسٍ علمية وطرق بحثية ومهارات مكتسبة من المساقات السابقة. والجدير بالذكر أن الطالب يتدرب على تصميم وتنفيذ المشاريع البحثية الشاملة والمتعددة التخصصات باستخدام أدوات أكثر تقدمًا من التقنيات والبرمجيات.
ونأمل من خلال تدرج الطالب من التعليم المنظم وصولًا إلى التعليم بالاستقصاء اكتسابه لمهارات البحث والاستكشاف كتحديد المشكلة وملاحظتها، والتصنيف والقياس، والاستنتاج والتنبؤ، كذلك الاتصال والتعريف الإجرائي، وفرض الفرضيات، وضبط المتغيرات، وتفسير البيانات والتجريب. إضافةً إلى ذلك، حزمة من المهارات الشخصية كالقيادة، والاعتماد على الذات، وشغف التعلم، والقدرة على التواصل والعمل الجماعي، والتفكير الشمولي وغيرها من المهارات.

التفاعل والمبادرات الطلابية

ثانيا تعزيز ثقافة أهمية التفاعل والتشارك مع كافة شرائح المجتمع لدى الطالب الجامعي من خلال تنظيم وعمل الحلقات التدريبية والفعاليات والمعارض كفعالية اليوم العالمي للتربة واليوم العالمي للمياه ويوم البيئة العمانية وغيرها. كذلك عمل إصدارات توعوية كجزء من الأنشطة اللاصفية والمجتمعية ذات الطابع العلمي. تتيح هذه النوعية من الأنشطة فرصة لإكساب طلبة بكالوريوس علوم التربة مهارات تنظيم وإقامة الحلقات التدريبية والمعارض وإدارتها، بالإضافة إلى إيجاد طرق مبتكرة وبقالب شيق ومثير للاهتمام لتوصيل المادة العلمية وتوعية المجتمع العُماني على أهمية مصادر التربة والحاجة للمحافظة عليها واستدامتها مستهدفًا لذلك كافة شرائح المجتمع وبالأخص طلبة المدارس وصُنَّاع القرار في الدولة.
وثالثا إشراف ودعم وتسهيل المبادرات الطلابية للتنافس على المنح البحثية المتاحة والمقدمة من مؤسسات تمويل البحوث الوطنية كبرنامج دعم بحوث الطلاب والمُمولة من قِبل مجلس البحث العلمي. تتسم هذه المنح البحثية بقدرتها العالية في تعزيز العقليات البحثية لدى طلبة برنامج البكالوريوس في علوم التربة على معالجة المشاكل والقضايا المعاصرة التي تؤثر على استدامة التربة. فعلى سبيل المثال، في عام ٢٠١٤، موَّلَ مجلس البحث العلمي بحثا طلابيا من تخصص علوم التربة بعنوان: «توصيف ودراسة خصائص التربة في المناطق الحضرية بولاية السيب» والتي حازت المركز الأول على مستوى السلطنة في مجال البيئة والموارد البيولوجية. وقد قام فريق العمل بتوظيف الطرق البحثية والاستقصائية المناسبة وأحدث التقنيات الحقلية والمخبرية لهذا المشروع. كذلك، شارك الطلبة نتائج بحثهم من خلال وسائل الإعلام المختلفة كالتلفزيون والصحافة المحلية والإذاعة ووسائل التواصل الاجتماعي. كما تم وبالمشاركة مع المشرف الأكاديمي عرض ونشر مخرجات هذا البحث في المؤتمرات والمنشورات العلمية العالمية ذات الصلة بعلوم الأرض والتربة.
وقال الإسماعيلي «اعتمدنا في تقييمنا للمنهجية المتُّبعة لتدريس برنامج بكالوريوس علوم التربة بجامعة السلطان قابوس على تقييم الطلاب للمقررات الدراسية وملاحظاتهم. وأيضًا من خلال البيانات التي يتم الحصول عليها من الاستبيانات والمسوحات الموزعة فالغالب على حاضري حلقات عمل والمعارض الطلبية. إضافة إلى ذلك، يتم تقييم منهجية التدريس من خلال متابعة تطَّور المستوى العلمي والمهارات البحثية للطلبة النخبة الذين حازوا على مِنح بحثية لبرنامج دعم بحوث الطلاب المقدَمة من مجلس البحث العلمي. وكنتيجة بيّنة، أفاد طلبة التخصص بتحسُّن مهاراتهم العلمية والبحثية من خلال العمل الجماعي والأنشطة البحثية والميدانية».
وفي ختام حديثه أوضح أن الجوهرة الأساسية كلها تدور حول الإدلال بأهمية اتباع منهجية التعليم الاستقصائي عن طريق طرح ودمج الأنشطة البحثية بالمساقات الدراسية وتشجيع الطالب بالانخراط والمشاركة في الأنشطة التوعوية والمجتمعية وخاصة في المراحل المتقدمة للبرامج الجامعية في السلطنة معززًا بذلك الاستراتيجية الوطنية نحو تأهيل كادر ذات عقلية بحثية قادرة على مواكبة التغيرات والعمل في الحفاظ على التربة واستدامتها.

مرشد سياحي

كما ابتكر فريق بحثي من جامعة السلطان قابوس ومن ضمن البحوث الفائزة في الجائزة الوطنية للبحث العلمي لعام 2019م مرشد آلي هو أحد أنواع الروبوتات المتنقلة التي تستخدم في العديد من التطبيقات في حياتنا اليومية، ومن أهم هذه التطبيقات هو استخدامها في المتاحف، وهناك العديد من الأمثلة في هذا المجال التي أظهرت نتائج مثمرة في زيادة عدد الزوار لتلك المتاحف والتفاعل معهم بلغات متعددة، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا النوع من الابتكار لا يزال غير متوفر في السلطنة، وممكن أن يؤدي هذا الابتكار إلى زيادة مساهمة قطاع السياحة في الاقتصاد العماني، لذلك هناك حاجة لاستخدام هذا النوع من الروبوتات في المتاحف العمانية؛ التي يمكن أن تحسن تجربة الزوار والخدمات التي يقدمها المتحف.

الهدف وآلية البدء

وقال محمد بن علي اليحيائي أحد أعضاء الفريق البحثي «يهدف المشروع إلى تصميم مرشد سياحي آلي مخصص للمتاحف العمانية، ولديه القدرة على تجنب العقبات، والتفاعل من خلال التحدث مباشرة مع الزوار، وتخطيط المسارات، وتقديم جولة ممتعة للزوار، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون الروبوت قادرا على تسجيل البيانات من تعليقات وردود فعل الزوار للاستفادة منها في تحسين الخدمات التي يقدمها المتحف، ويعد هذا الروبوت أول مرشد سياحي آلي في عُمان وأول روبوت في السلطنة يدعم اللغة العربية إلى جانب اللغة الإنجليزية».
وأضاف «المشروع عبارة عن مشروع تخرج بجامعة السلطان قابوس في كلية الهندسة بقسم الكهرباء والحاسب الآلي، في البداية تم البحث عن فكرة تساهم في حل مشكلة توجد في السلطنة؛ لذلك تم البحث عن أهم القطاعات التي حددها المجلس الأعلى للتخطيط لتساهم في تنويع مصادر الدخل، واختيار قطاع السياحة (وبالتحديد المتاحف) من بين هذه القطاعات، بعد ذلك اختيرت بعض المتاحف للزيارة ومن أهمها المتحف الوطني؛ وذلك للتركيز على الأشياء التي يمكن تطويرها وتساهم في زيادة عدد زوار المتاحف والرقي بمستوى الخدمات المقدمة من المتحف، علاوة على ذلك تم جمع بعض المعلومات من قبل الزوار والقائمين على المتاحف وإجراء البحوث حول التكنولوجيا الموجودة بالمتاحف العالمية للخروج بفكرة المرشد السياحي روبوت»
وتم تصميم الروبوت بناء على بعض خصائص الزبائن والخصائص الهندسية التي تم جمعها مسبقا، بعد ذلك تمت برمجة الروبوت ليكون قادرا على استقبال الزوار وتخييرهم باللغة المراد التفاعل بها، وتوجيههم للأماكن المراد زيارتها في المتحف، والتفاعل مع الزوار وذلك عن طريق شرح المقتنيات بالكلام وبعرض المعلومات في شاشته وتزويدها بالصور والفيديو، وإجابة بعض أسئلة الزوار، وأخذ ردود فعل الزوار وملاحظاتهم عن طريق الكلام (الصوت) فقط دون الحاجة لتعبئة استبيان، ومعرفة عدد الزوار الذين قاموا بزيارة كل ركن على حدة، ولديه القدرة أيضا على تجنب العقبات أثناء الحركة.

التحديات والخطط المستقبلية

وقال اليحيائي «خلال عملنا على المشروع واجهنا بعض التحديات أبرزها صعوبة زيارة كل المتاحف المتواجدة في السلطنة، حيث كما نعلم عمان مترامية الأطراف ومن الصعوبة تغطية جميع هذه المتاحف، بالإضافة إلى ذلك صعوبة التواصل مع المسؤولين القائمين على المتاحف، حيث أن في بعض الأحيان يكون المسؤول غير متواجد خلال زيارتنا، أو نحتاج إلى مواعيد مسبقة التي قد تحتاج لبعض الوقت للحصول عليها».
واختتم حديثه قائلا «نطمح أن يكون المشروع رافدا للاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى تطوير المشروع لرفع كفاءة الروبوت وإعادة تصميمه إلى شكل نابع من التراث العماني الأصيل، هذا سيجعله فريدا من نوعه ويعبر عن تراثنا، ومن ناحية أخرى، نطمح إلى زيادة عدد اللغات لنغطي مساحة أكبر من الزوار. وأخيرا، نتمنى أن نجد الدعم الكافي لإكمال تطوير المشروع».