وتر: يـا طيّـب

شريفة بنت علي التوبية –

أبدأ هذا المقال اليوم بقصة قصيرة جداً كتبتها ذات يوم (كان يسعده أن يصفه أحدهم بأنه طيب، كان يعتقد أنها صفة النبلاء المخلصين، وقد احتاج إلى زمن طويل حتى اكتشف أنها الكلمة المهذّبة لمن أراد أن يقول له أنت ساذج) ولعل من أجمل الأغاني التي غنتها أنغام في مسيرتها الغنائية، أغنية يا طيب، وأترك لكم حرية البحث عن الكلمات أو الاستماع للأغنية، لأن مساحة العمود لا تتسع لأن أهديها لكم مكتوبة عبر هذه المساحة.
والطيب في معجم الوسيط هو كل ما خلا من الأذى والخبث وكل من تخلى عن الرذائل وتحلى بالفضائل، لذلك الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الطيبة تحل كثيرا من المشاكل، وتفتح أبواب القلوب المغلقة، وبالكلمة الطيبة سيكسب الإنسان الكثير من الأصدقاء في زمن كانت تقاس قيمة المرء فيه بأصدقائه، فحين تقول لإنسان أنت طيب ففي ذلك مدحاً، ولكن اليوم حين تقول لإنسان أنت طيب، فأنت تذمه، فالطيبة صفة لا تليق بالإنسان المتحضر، لأن الطيبة أصبحت غباء وسذاجة، فأن تكون طيبا فقد يؤذيك الآخر لأنه على ثقة بأنك ستسامحه ولن تؤذيه، وأن تكون طيبا فلا بأس أن يمارس عليك البعض سلوكه الخبيث، وأن يحملّك أخطاءه وأن تقبل بأن تكون الضحية وكبش الفداء.
ولأنك طيب فستحتاج لوقت طويل حتى تفهم أن الطيبة في هذا الزمن تعني بأنك تعاني من مشكلة، وعليك أن تجد حلاً لها. وستشعر بالغربة والضياع في هذا العالم، الذي قليل من يشبهونك فيه، ولأنك طيب ستصدمك أبسط الأشياء والتي كنت تظنها كبيرة، وسيضحك عليك بعض الأصدقاء حينما تحدثهم عن صدمتك لبعض المواقف، وستكون صدمتك أكبر حينما يقول لك أحدهم (بعدك ما شفت شيء)، ستشك في نفسك، وستبحث عن أشباهك على هذا العالم ولن تجد.
ولأنك طيب ستعاني كثيراً من أولئك الذين لا تعرف سبباً لسوء سلوكهم، وستشعر بالذنب حتى حينما يسيئون لك، ولأنك طيب ستخجل من أفعالهم وستخجل من أن تواجههم بها، وستشعر برغبتك في العُزلة والبُعد، ولأنك طيب ستحاول أن تتغير، وستحاول أن تجرّب شيئاً من أقنعتهم ولن تستطيع، وستدخل دورات في تطوير الذات، وستجد أن كل تلك الدورات تحرّضك على حب الذات ونبذ الآخر، ولن تستطيع، فعند خروجك من تلك الدورات ستنسى نفسك وستفكر بهم، وربما تدخل لأقرب محل، فتشتري هدية، لتفاجأ بها صديقا قديما وأنت تفكر في سعادته وهو يفتح هديتك.. لأنك طيب.