لماذا خرج ترامب عن المسار الاستراتيجي التقليدي لأمريكا؟

عاطف الغمري –

عندما يصل الأمر إلى قول المقربين من الرئيس الأمريكي ترامب، أنهم لا يعرفون شيئا عن سياساته، فإن هذا شيء يخالف كلية ما هو مستقر لزمن طويل في النظام السياسي الأمريكي، لأن هناك قواعد متبعة في أداء الرؤساء الأمريكيين، على اختلافهم، نستند إلى أن لكل منهم مبدأ أساسيا ومحوريا لسياسته الخارجية، قد يختلف تعريفه ومسماه من رئيس لآخر، لكن هذه المبادئ جميعها، تعمل على خدمة أهداف مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، وفق سياسات تحدد مسبقا النتائج المتوقعة لهذه الأهداف، مع الأخذ في الاعتبار التركيز على أولوية التحديات التي تواجههم والتي قد تختلف من وقت لآخر.
وعلى سبيل المثال ارتكزت إستراتيجية جورج دبليو بوش على سياسات تعمل على تفتيت القوى الإقليمية في الشرق الأوسط – باعتراف إداراته بذلك بترويجها لنظرية الفوضى الخلاقة – تحقيقا للهيمنة التي كانت عقيدة المحافظين الجدد، الذين وضعوا إستراتيجية الأمن القومي عام 2002، والتي أطلقوا عليها مبدأ بوش.
بينما استشعرت الولايات المتحدة في عهد ترامب، سعى بوتين لاستعادة مكانة روسيا على المستوى العالمي، وأيضا تصعيد الصين لقدراتها الاقتصادية والعسكرية، مما يجعل منهما منافسا استراتيجيا للولايات المتحدة.
من ثم يفترض وفق المفاهيم الإستراتيجية الأمريكية، ألا تترتب على سياسات ترامب نتائج لصالح أي من هاتين القوتين.
وطبقا للقواعد المستقرة، فإن السياسات النابعة من هذه الإستراتيجية، تصل إلى تحقيق مصلحة للولايات المتحدة – وهنا لا بد من التساؤل: هل هذا ما يجرى بالفعل؟.
إن الجدل الدائر هناك الآن، والذي يشارك فيه خبراء مختصون بالسياسة الخارجية، يميل كثيرا من المشاركين فيه إلى أن سياسات ترامب طبقا للإستراتيجية التي سبق أن وضعتها إدارته، تسفر عن نتائج عكسية ليست في صالح الأمن القومي الأمريكي.
ومما دفعهم لإثارة هذه النقطة، عدة مواقف لترامب منها اتجاهه لتجميد المعونة العسكرية لأوكرانيا، حيث يرى هؤلاء أنه إذا كانت هذه المعونة تحقق مصالح لأوكرانيا، فإنها وفي نفس الوقت تخدم المصالح الحيوية للولايات المتحدة، في هذه المنطقة من العالم.
كما أن لترامب قرارات متناقضة، فهو قد انسحب من معاهدات لأمريكا مع روسيا، خاصة بالتسليح النووي، وزاد من الميزانية العسكرية بطريقة يرون أنها تطلق سباقا جديدا للتسلح بين أمريكا وروسيا، يقابل ذلك خط مضاد سار فيه، عندما سحب القوات الأمريكية من سوريا، وهذا – من وجهة نظرهم – يخدم الوجود الروسي في سوريا.
والأمثلة كثيرة.. منها أيضا لهجته العنيفة مع أردوغان عقب غزوه سوريا واحتلال جزء من أراضيها، وتهديده بفرض عقوبات مع تركيا، بينما كان انسحابه من سوريا يحقق نتيجة معاكسة لصالح أردوغان الذي شن حربا على أكراد سوريا، وهم حلفاء لأمريكا، مما يضعف مصداقية أمريكا لدى حلفائها.. والأمثلة على ذلك عديدة.
أن مناقشات المختصين بالسياسة الخارجية، لم تتوقف حول ما هو مستقر في مبادئ وأداء استراتيجيات الأمن القومي، وتناولوا في هذا الإطار ما يتعلق بالداخل الأمريكي، عندما تحدثوا عن رفض ترامب التوقيع على اتفاقية المناخ في المؤتمر الذي عقد لهذا الغرض في باريس، ليس فقط باعتباره سلوكا يلحق أضرارا بالبشرية عامة، بل لكونه يضر بالمواطن الأمريكي ذاته. فقد ثبت أن الخسارة الاقتصادية من ازدياد معدلات التلوث، تطال الأمريكيين، وبعد أن وجدت الدراسات أن التلوث يكلف الولايات المتحدة 89 مليار دولار سنويا. ولا يزال الأمريكيون يذكرون للرئيس نيكسون برنامجه لحماية البيئة، حتى إنهم وصفوا فترة حكمه بالعصر الذهبي في مجال حماية البيئة.
ولعل من بين التفسيرات التي طرحها هؤلاء الخبراء، أن خروج سياسات ترامب عن فحوى إستراتيجية الدولة، راجع إلى تكوين شخصيته كرجل أعمال يقيس الأمور بميزان مبدأ المكسب والخسارة، بحيث يضع مصالحه الشخصية مثل حسابات الأمن القومي.
ولعلنا هنا في منطقتنا الإقليمية قد خبرنا هذا المعنى، من سعى ترامب لإرضاء جانب من قاعدته الانتخابية، التي يشكل المتعصبون لإسرائيل، من المنتمين إلى ائتلاف المسيحية الصهيونية، نسبة 20% من الكتلة التصويتية الإجمالية في سباق الانتخابات، وهو ما جعله مغاليا في انحيازه لإسرائيل، باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعترافه بالجولان السورية جزءا من إسرائيل، ثم ما أعلنه وزير خارجيته مايك بومبيو من أن المستوطنات ليست مخالفة للقانون.
هذه إطلاله على المناقشات الجارية في الولايات المتحدة في الوقت الحالي، نستخلص بعضا منها وليس كلها نظرا لتشعب المناقشات واتساع مجالاتها، وخلاصتها أن الخلل في إدارة ترامب لسياسته الخارجية، واختلاف أدائه عن بقية الرؤساء الذين سبقوه، مرجعه بدرجة أساسية إلى انفراده بإدارة السياسة الخارجية، بعيدا عن نخبة المتخصصين، الذين كانوا جزءا هاما وأساسيا من عملية إلهام الرؤساء بالأفكار، وآليات التعامل مع القضايا الدولية. كما أن الرؤساء من جانبهم كانوا يلجأون إلى هؤلاء الخبراء، واستطلاع آرائهم، ثم وضعها موضع الاعتبار، وليس أبدا تجاهلها.