تدشين الندوة العلمية لملتقى التواصل الحضاري العماني الجزائري في نزوى

دور الكتب والشعر والرسائل والزيارات المتبادلة وتأثيرها في توطيد العلاقة بين المشارقة والمغاربة –
مكتب «عمان»- بنزوى: محمد الحضرمي –

أقيمت في قاعة المحاضرات بكلية العلوم التطبيقية بنزوى ندوة علمية ضمن فعالية ملتقى التواصل الحضاري العماني الجزائري الذي يقام في السلطنة خلال هذا الأسبوع، بتنظيم من اللجنة الثقافية والعلمية بنادي نزوى، بالتعاون مع جمعة التراث بالجمهورية الجزائرية، رعى حفل افتتاح الندوة معالي الشيخ سعود بن سليمان بن حمير النبهاني مستشار الدولة، وبحضور أعضاء مجلس الدولة، وأصحاب السعادة والفضيلة، وشخصيات رسمية وأكاديمية، وضيوف الملتقى وباحثين في العلاقات بين الجانبين العماني والجزائري.
بدأ الحفل بكلمة ألقاها عبدالله بن محمد العبري رئيس اللجنة الثقافية والعلمية بنادي نزوى، قال فيها: إن الملتقى الثقافي العماني الجزائري الأول والثاني الذي نحتفل بتدشينه اليوم، يمثل علامة فارقة في مسيرة العلاقات التاريخية والحضارية بين عمان والجزائر.

لبنة في هذا البناء الحضاري

وقال أيضا: انبثقت فكرة تنظيم الملتقى الأول من جلسة جمعت ثلاثة من أعضاء اللجنة الثقافية العلمية، ومن جمعية التراث في الجزائر الشقيقة، تناقشنا في كيفية مساهمتنا نحن شبابَ هذا الجيل في تتبع مسيرة العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر، وتكريم من أسهم من الجانبين العماني والجزائري في توطيد هذه العلاقة، وبعد هذه الجلسة، تم وضع خطة زمنية لتنفيذ الفكرة على أرض الواقع، وأن يكون نادي نزوى ممثلا باللجنة الثقافية العلمية مظلة وداعما لهذه الفعالية.
وقال أيضا: نزف إلى الجزائر الشقيقة التهاني باختيارها السيد عبدالمجيد تبون رئيسا للبلاد، ليضطلع بقيادة الجزائر نحو غد مشرق، ينعم بالاستقرار ويسعد بالازدهار، وكلنا أمل أن تنمو الصلات المتعددة بين البلدين، وتتوطد الأواصر بين الشعبين العماني والجزائري، وعسى أن يمثل ملتقانا هذا لبنة في هذا البناء الحضاري نصل من خلاله إلى تكامل وتعاون.

مد حبال التواصل بين القطرين

وألقى الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام رئيس جمعية التراث كلمة الجمعية، قال فيه: نلتقي في هذه المناسبة والمحطة المهمة، في مسيرة التواصل الحضاري بين عمان والجزائر، التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، تواصل تعددت مظاهره ووسائله وأدواته، وتلونت محطاته ومضاميره ومضامينه، بألوان زاهية من مختلف الأنشطة الهادفة والأعمال الكبيرة، التي خلدت اسمي عمان والجزائر في سجل البلدان الحريصة على مد جسور الأخوة والمحبة والتعاون بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه، ليظل الحبل مربوطا إلى الماضي، منغرسا في تربة الحاضر، ومشدودا إلى المستقبل.
وقال أيضا: بعد عامين من إقامة النسخة الأولى من هذا الملتقى في الجزائر، تعزم جمعية التراث رد التحية بمثلها، فتلبي دعوة نادي نزوى الكريمة للقيام بزيارة علمية ثقافية أدبية سياحية إلى بلدها الثّاني عمان؛ بمباركة وزارة الثّقافة الجزائريّة، والتنسيق مع سفارة الجمهورية الجزائرية في مسقط، لتقوم بدورها في مد حبال التواصل بين القطرين، والإسهام في تطويره.

«الكتاب» رباط بين المشرق والمغرب

وبدأت أولى جلسات الملتقى بورقة ألقاها الباحث سلطان بن مبارك الشيباني، متحدثا عن «الكتاب» باعتباره رباطا متينا من روابط التواصل بين المشرق والمغرب، أكد فيه أن وحدة الدين والمبدأ كانت الدافع الأول وراء التواصل بين المشارقة والمغاربة، ثم تمخضت عن مظاهر عدة للتواصل، شملت جوانب إنسانية حضارية شتى، كالبعثات العلمية، والمراسلات الأدبية، والمدد العسكري أحيانا، والتبادل التجاري قليلا، والأوقاف الخيرية، والمصاهرة، والزيارات الإخوانية.
وقال أيضا: إن الكتاب كان وما زال الحاضر الأقوى في معظم مظاهر التواصل، منه تنطلق بوادرها، وعليه تدور غاياتها، وإليه تنتهي ثمراتها، فالبعثات العلمية تقوم على أساس التبادل الثقافي بين الطرفين، والكتاب عماد الثقافة، والمراسلات الأدبية قل أن تخلو من طلب نسخ مخطوط، أو التماس تأليف كتاب، وللكتاب نصيب وافر في الأوقاف الخيرية من الجانبين، وفي مجمل الزيارات الإخوانية كان الكتاب خير هدية يقدمها الضيف لمضيفه، وخير هدية يعود بها إلى أهل بلاده.

الكتب العمانية المتداولة عند المغاربة

وقدم الدكتور مسعود مزهودي من الجمهورية الجزائرية ورقة حملت دراسة تاريخية حول التواصل الثقافي بين عمان والجزائر، بحث فيها تعدد أوجه العلاقة بين البلدين، سواء بالالتقاء في موسم الحج حيث كان يجتمع أهل الدعوة والاستقامة من مختلف الأمصار لمذاكرة العلم ومناقشة الأمور المطروحة على الساحة الإسلامية، أو بتقديم الفتاوى خاصة، وكان المغاربة يلتمسون المشورة في الكثير من أمور دينهم ودنياهم، أو بتبادل الزيارات طلبا للعلم والاطلاع على أحوال إخوانهم. فالمصادر تتحدث عن علماء ومشايخ عمانيين حلُّوا ببلاد المغرب، وفي الوقت نفسه سافر بعض المشايخ من وادي ميزاب وغيرها إلى عمان، بالإضافة إلى تبادل الكتب بين الإخوة. فكان العمانيون يزودون المكتبات المغربية بمؤلفاتهم، وقد تطرق البرادي في جواهره إلى الكتب المشرقية المتداولة عند المغاربة. وفى المقابل ألف المغاربة العديد من الكتب نزولا عند رغبة العمانيين وزودوهم بها.
وتحدث الدكتور موسى بن محمد السليماني، حول التواصل الحضاري العماني المغربي من خلال كتاب «كشف الكرب»، حيث تناول البحث بالدراسة والتّحليل المادة العلميّة التي تضمّنها كتاب «كشف الكرب» للشيخ محمد بن يوسف اطفيش، المتمثلة في بعض المراسلات العامة، وذكر بعض الشخصيات والأعلام والرّسائل المتبادلة، والأسئلة والأجوبة في المسائل الفقهية والعقدية، والمسائل ذات الصلة بين القطرين عمان والجزائر، وبين القطبين الشيخ السالمي والشيخ القطب.

التواصل العلمي بين العلماء

ثم توصلت الجلسة الثانية بتقديم مجموعة من الورقات، حيث قدم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام ورقة بعنوان «التواصل الحضاري العماني المغربي من خلال كتاب بيان الشّرع»، تناول في ورقته المادة العلمية التي تضمّنها كتاب «بيان الشّرع»، والمتمثلة في الرسائل المتبادلة، والأسئلة والأجوبة، تتصدّرها المسائل الفقهية، وأخبار عن المنطقتين وغيرها.
وتحدث في ورقته عن طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بين عمان والمغرب، في عصر صاحب كتاب «بيان الشرع»، واستخلاص النّتائج والعبر منها، وإبراز الرسالة التي تحملها هذه العلاقات.
وألقى الدكتور محمد بن يحيى الراشدي ورقة بعنوان «تواصل الشيخ العلامة جاعد بن خميس الخروصي وابنه الشيخ ناصر مع إباضية الجزائر»، يأتي هذا البحث ليكشف عن نموذج من ذلكم التواصل الفذ، بين الشيخين رحمهما الله، وسعى الباحث لجمع مراسلاتهما ومناقشات علمية سواء في الفقه أو العقيدة أو غير ذلك، والوقوف عليها بالتأمل والتحليل، وتكمن أهمية البحث في كشف عمق التواصل الحضاري بين علماء المشارقة والمغاربة، ونوعية تلك المراسلات.
وقدم الدكتور إبراهيم بكير بحاز ورقة حول «إسهامات العُمانيين في حضارة الرستميين»، تحدث فيها إن الإمامة الرستمية منذ قيامها عام 160هـ/‏‏777م حتى سقوطها عام 296هـ/‏‏909م، عاصرت الإمامةَ العُمانية الثانية: 177هـ – 280هـ /‏‏793م-893م، لأكثر من مائة عام، بل لأكثر من ذلك، فقد بدأت العلاقات والإسهامات منذ عهد عبد الرحمن بن رستم (160-177هـ). وقال في مخلص ورقته» إن العمانيين كانوا بفضل نشاطهم التجاري، وحيويتهم البحرية، وجهادهم العلمي، منتشرين في البصرة وفي أغلب مناطق ما نسميه اليوم بالخليج العربي، وكان جله للعُمانيين، انطلاقا من البصرة شمالا إلى إقليم عُمان المعروف اليوم جنوبا. ولعل أول إسهامات تلك المساعدات التي وصلت «تيهرت» عاصمة الرستميين، في عهد عبد الرحمن بن رستم، والتي جاءت لتدعِّم الإمامة في بداية نشأتها فبعثت في الدولة حيوية وقوة شملت المجتمع والجيش، ومن بين تلك الإسهامات تلك الكتب التي أُرسلت للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، وكانت وقرَ بعير، وربما كانت من أُولى الكتب التي غذّت مكتبة المعصومة بتيهرت.

دور الشعر في التواصل الحضاري

وقدم الباحث عثمان بن راشد العميري ورقة حول «دور الشعر في التواصل الحضاري العماني الجزائري» متخذا من الشاعر مفدي زكريا نموذجاً، تحدث في ورقته أن للشاعر الجزائري مفدي زكريا ديوانا بعنوان (أمجادنا تتكلم وقصائد أخرى) تضمَّن ثلاثة نصوص بالترتيب يمدح فيها الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، والسلطان تيمور بن فيصل وعمان.

استكمال الندوة العلمية اليوم

تستكمل اليوم جلسات الندوة العلمية بتقديم جلستين تكشفان عن جوانب من التواصل الحضاري بين عمان والجزائر، من خلال تسليط الضوء على التواصل الصحفي عبر جريدة النور، والتواصل الثقافي عبر المراسلات بين بعض الشخصيات العمانية والجزائرية، والرحلات الاجتماعية، وتأثير الثورة الجزائرية في وجدان شعراء عمان، والعلاقة في مجال خدمة القرآن الكريم، ومقاومة الشيخ القطب محمد بن يوسف اطفيش للاستعمار الفرنسي، وقراءة في بنية الخطاب الفني لرسائل سماحة الشيخ أحمد الخليلي لأهل الجزائر، ودراسة في المحاورات الفكرية بين علماء والجزائر.