الثورة الصناعية الرابعة: آفاقها وتناقضاتها

صلاح أبو نار –

تدخل البشرية مع تقدم الثورة الصناعية الرابعة آفاق عصر جديد تماما. عصر يوفر للوضع الإنساني إمكانيات نمو كيفي هائلة وواسعة، وفي سياق نموها وانتشارها يضع البشرية أمام تناقضات وتحديات خطرة. وهكذا سيصبح لزاما على الجميع وبالأخص المجتمعات النامية، ليس فقط أن تهيئ نفسها للاندماج العضوي والانطلاق السريع في مسار الثورة الرابعة، بل ايضا أن تتهيأ في اللحظة نفسها لمواجهة تحدياته.

ما الذي يميز الثورة الرابعة عن الثلاث السابقة ؟
انطلقت الثورة الأولى عام 1760 مع شيوع استخدام الآلة البخارية ومعها الفحم كقوة محركة. وشكل المصنع الآلي وحدة تنظيم الإنتاج، وتسيد الإنتاج سلعتان: النسيج والصلب، وبقدر ما وفر النسيج أداة تجارية لاقتحام أسواق العالم، بقدر ما وفر الصلب العتاد العسكري لغزو الأسواق ذاتها.
وانطلقت الثورة الثانية حوالي 1900 وارتبطت باختراع محرك الاحتراق الداخلي واستخدام الكهرباء والنفط كقوة محركة، وظهور المنشآت الصناعية الضخمة القائمة على تقسيم عميق وواسع للعمل، والإنتاج الواسع للسلع الاستهلاكية.
وانطلقت الثورة الثالثة في النصف الثاني من القرن العشرين، وارتبطت بتطور تكنولوجيا المعلومات والحاسبات الإلكترونية وتوظيفهما لأتمتة الإنتاج الصناعي في ظل الأطر الصناعية القديمة نفسها.
وعندما نتأمل مسار الثورات الثلاث سنلاحظ عدة أمور:
الأول انطلاقها جميعا من قفزة كيفية في التطور التكنولوجي، لكنها ليست مجرد قفزة تقنية بل قفزة ارتبطت عضويا بالعملية الإنتاجية. والثاني انطلاقها جميعا من تحولات اجتماعية جذرية داخلية وعالمية سابقة عليها، وإطلاقها لتحولات أخرى تالية عليها طالت كل المستويات الاجتماعية. والثالث إطلاقها جميعا بدرجات متفاوته لعدة تناقضات وتحديات، تمس نوعية وكثافة التوظيف وتراتبية القطاعات الإنتاجية القديمة وأشكال التنظيم الاجتماعي والإدارة السياسية.
ماذا عن الثورة الرابعة؟
تعرف الثورة الرابعة أحيانا بكونها اقتصاد المعرفة، أي الاقتصاد الذي تلعب فيه المعرفة ومعها البحث العلمي والابتكار دور العامل الأساسي في الإنتاج. وفقا لتعريف متبنى على نطاق واسع لكلاوس شوب مؤسس المنتدي الاقتصادي الدولي: تمارس المعرفة دورها في الثورة الرابعة عبر ثلاثة أنماط من التقنيات، في سياق مسار عضوي يدمج بينها: التقنيات المادية وتتمثل في المنتجات المادية مثل السيارات ذاتية القيادة والطابعة ثلاثية الأبعاد والروبوتات الذكية، والتقنيات الرقمية وتتمثل في توظيف الحواسب والشبكات والمنصات الرقمية في توفير شبكات اتصال بين البشر والمنتجات والخدمات والشركات والأسواق لأداء وظائف محددة ونموذج ذلك ما يسمى إنترنت الأشياء وتطبيقات شركات مثل أوبر وأمازون وعلي بابا وأيرنوب، والتقنيات الحيوية وتتمثل في تطبيق التقنيات الرقمية في المجالات البيولوجية مثل التحويل الجيني للبشر والنباتات والكائنات الحية وابتكار مواد أولية جديدة عبر تقنيات حيوية والتحكم في الوراثة وصناعة والدواء ومعالجة الأمراض المستعصية.
ويمنحنا التحليل السابق مدخلا لتحديد الفوارق بين الثورة الرابعة والوضع السابق عليها، أو عبر كلمات أخرى هو اقتصاد المعرفة والاقتصادي التقليدي. لدينا طرح جيد في دراسة لصندوق النقد العربي، بعنوان «اقتصاد المعرفة: ورقة أطارية» صدرت في 2019، يمنحنا منطلقا للتحليل.
يعاني الاقتصاد التقليدي مشكلة ندرة الموارد بشكل متفاوت. وفي المقابل لا يعاني اقتصاد المعرفة من المشكلة نفسها بالحدة والنسب نفسها ، الأمر الذي يجعل من الممكن وسمه بالوفرة . وتبدو وفرة المعلومات واضحة، وفي دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2018 جاء أن كمية البيانات المجمعة تزداد سنويا بمعدل 40%. كما تتجه أسعار الرقائق الإلكترونية للانخفاض ومعها المنتجات الموظفة لها، وتوفر المنصات الرقمية مجانا تقريبا كل يوم عشرات الخدمات المعرفية الجديدة البسيطة والمركبة، كما يسعي البحث العلمي للوصول لمواد خام جديدة ورخيصة ستخفض كثيرا من تكلفة المنتج المعرفي، وتبشر تجارب لجوجل بخطوط إنترنت عالمي سريعة وشبه مجانية تقوم بعملها عبر مناطيد.
وفي الاقتصاد التقليدي سنجد أصل الثروة في الأرض والعمل ورأس المال، بينما يوجد في اقتصاد المعرفة داخل المعرفة والابتكار والذكاء الإنساني، وبكلمات أخرى: البنى المساندة لها أي البحث العلمي وهيئاته ونمط المؤسسات التعليمية وهياكل تمويل البحث والتعليم ونسق القيم الثقافية المحفز على الإبداع.
ويرى المصدر نفسه أن نمط النمو في اقتصاد المعرفة نمط حلزوني متجه إلى أعلى دائما، بينما يصف نمط النمو في الاقتصاد التقليدي بالخطية. ومن حيث اقتصاديات الحجم يتسم الاقتصاد التقليدي بتناقص الغلة وضرورة وجود حجم أمثل للمشروع، بينما تزداد غلة اقتصاد المعرفة مع تزايد الإنتاج ولا يعرف ظاهرة الحجم الأمثل للمنشآت.
وبالنظر إلى مقياس كفاءة المنشأة، تقاس كفاءة منشأه اقتصاد المعرفة بمدى ملكيتها لرأس المال البشري وسرعة وعمق الابتكار، بينما تقاس كفاءة منشأه التقليدي بإنتاجية عوامل الإنتاج. وتتسم دورة حياة المنتجات في الاقتصاد التقليدي بكونها متوسطة أو طويلة نسبيا، بينما نجدها في اقتصاد المعرفة قصيرة بفعل سرعة التطور التقني.
وبالنظر إلى الطبيعة التنظيمية للمؤسسة الإنتاجية، تتصف في اقتصاد المعرفة باللامركزية والشبكية والاندماج في تحالفات وقدرتها على نقل نشاطها خارج المنشأة، بينما نجدها في التقليدي ذات طبيعة مركزية و بيروقراطية وتلزم كل العمال بالانتقال إليها. ومن حيث العلاقة بسلاسل القيمة العالمية ، يمكن لاقتصاد المعرفة الاندماج في سلاسل قيمة أقل شمولا وترابطا من سلاسل الاقتصاد التقليدي، الأمر الذي يسمح للصناع بالمزيد من الإبداع الإنتاجي وبمعدل ضعف السرعة الراهنة.
ويتسم إيقاع تطور اقتصاد المعرفة مقارنة بالتقليدي بالسرعة والديناميكية والتنافسية العالية، وهو أمر مرجعه مركزية دور المعرفة والابتكار ومعها تراكم رأس المال البشري. ويمتلك اقتصاد المعرفة إمكانيات تجعله أكثر قدرة على الاستدامة بالمقارنة بالتقليدي، لأنه اكثر استقلالية عن المواد الأولية التقليدية بما هي عليه من ندرة، وأكثر قدرة على تخليق مواد أولية بديلة أرخص وأكثر ملاءمة للبيئة، وأكثر قدرة على التكيف مع الطاقة المتجددة. وفي النهاية يتصف اقتصاد المعرفة مقارنة بالتقليدي بسرعة التغلغل في كل القطاعات الإنتاجية والاجتماعية.
وسنجد خلف هذه السرعة عنصر ارتفاع كفاءة التقنية، والتشابكية العالية المرتبطة بها التي تجبر القطاعات التقليدية على تبني التقنيات الحديثة حتى يمكنها مواصلة عملها. ويؤكد مسح للمنتدى الاقتصادي الدولي أجري عام 2015 ، لآراء مسؤولي الاستراتيجية في المؤسسات الصناعية، على تلك السمة. ويرى 88% من مسؤولي شركات السيارات انه بحلول عام 2030، سيكسب صانعي السيارات من بيع البيانات وخدمات النقل، أكثر مما يكسبونه من بيع السيارات وقطع الغيار. ويرى 63% من مسؤولي الصناعات الاستهلاكية، انه بحلول عام 2030 سيصبح التصنيع في المنزل عبر الطابعات الثلاثية، اتجاها عاما في العالم المتقدم والنامي. ويرى 100% من مسؤولي شركات التأمين انه بحلول 2020، سيصبح تدفق المادة من المستشعرات الرقمية قلب قدرة شركاتهم التنافسية. ويرى 92% من مسؤولي أسواق رأس المال والبنوك انه بحلول 2030، ستصبح تكنولوجيا المعلومات قاعدة الكثير من عملياتهم. ويرى 50% من مسؤولي الإعلام والترفيه انه بحلول 2025، سيصبح 90% من الأخبار التي يقرأها الناس مولدة رقميا.
وتحمل الثورة الرابعة معها العديد من التناقضات والتحديات. حيث يمارس تقدم التقنيات الرقمية تأثيرا سلبيا على التوظيف، فهي تتحيز للوظائف عالية المعرفة وتمارس تخفيضات حادة في مستوى الأيدي غير الماهرة معرفيا بنسبة 25 -50%. وفي تأثيرها السلبي على نمط التوظيف، ستعمق من فجوة النوع الاجتماعي عبر تحيزها التوظيفي ضد النساء بحكم أنماط توظيفهم السائدة، وستزيد من مستويات عدم العدالة في توزيع الدخول لتحيزها لأصحاب المعارف التقنية العالية. وهي في مسار إنجازاتها الصحية المتوقعة والجذرية ستواجه تناقضات حادة. فهي ستمد في أعمار البشر كثيرا، وستوفر لكبار السن عبر معالجة أمراض الكهولة حية نشطة، وسيستدعي هذا معه نتائج على مستوي التوظيف موجدا ضغطا على قوة العمل. وهي في تقدمها في مجال تحوير الجينات البشرية ستوجد إمكانيات عظيمة في معالجة الاختلالات الجسمانية، لكنها أيضا ستفتح الأبواب أمام مغامرات خطرة يصعب توقع تداعياتها المستقبلية في مجال الوراثة وتعديل الخصائص البشرية. وهي في قدراتها المتنامية على توليد المعلومات وبناء الشبكات وصناعة المنصات الرقمية توفر إمكانية عالية لتعميم المعرفة وبناء التشكيلات الأهلية، لكنها في الوقت نفسه تمنح الهياكل الحكومية المركزية القديمة والصلبة والمنظمة قدرات جديدة وهائلة على مراقبة الجمهور وتشكيل اتجاهاته وانتهاك خصوصياته. وهي تطلق إمكانيات المعرفة والتطوير التقني في مجالات عديدة، وبعض هذه المجالات في حاجة لقواعد معرفية مؤسسية ضخمة ودقيقة التخصص وتجهيزات تكنولوجية عالية وتمويل رأسمالي هائل ومتواصل، وكل ذلك لا يتوفر توفرا كافيا إلا في الدول المتقدمة، وبالتالي ستفتح إمكانيات تعميق التفاوت الدولي. وهي ستخلق قاعدة معرفية ضخمة ومنظمة تتناول مجالات حساسة وقابلة للتداول، لكن القاعدة نفسها ستكون معرضة للانهيارات التقنية والاختراقات الأمنية وتحويلها إلى مادة للصراع الدولي.
وكل تلك التناقضات والتحديات الصعبة ليست سهلة المواجهة، لكنها أيضا قابلة للمعالجة والاحتواء عبر جهد إبداعي وتعاون جماعي ووعي بتاريخية المواجهة، واعتراف بعمق التحديات وخطورتها. وفي هذا الصدد نوه تقرير حديث للمنتدى الاقتصادي الدولي، بضرورة المزاوجة بين تبني تكنولوجيا الإنتاج الحديث وتبني ما دعاه «تكنولوجيا التكيف الاجتماعي»، قاصدا بها: سياسات مواجهة تحديات الثورة الرابعة.