«احـــترام طــرافـة الألم»

آمنة الربيع –

تخضع علاقة الكتابة الإبداعية في جميع أشكالها إلى علاقة متداخلة شرطية مع الفلسفة. والكاتب المبدع هو الذي ينظر في تقليب أوجه تلك العلاقة الشائكة في كتابته عبر هذين السؤالين: ما قيمة الانتماء للأدب؟! وما الذي سيقوله النوع الأدبي في العالم ليكسب شرط وجوده واستمرارية بقاءه وتأثيره؟
لقد مارس التفلسف من خلال طرح أسئلة الفلسفة القلقة تأثيره الكبير على المسرح والتراجيديا والكوميديا وجميع الأنواع السردية الصغرى. وظل القارئ العادي إلى جوار النخبوي ينتظران إجابة بعض الأسئلة المحيرة عن ماهية النوع الأدبي.
وعطفا على وشيجة علاقة الكتابة الإبداعية مع الفلسفة، يظل للمسرح وهجه الخاصّ في التعامل مع هذه العلاقة التاريخية المعقدة. إذ تكشف أمهات الكتب والملاحم الكبرى أن أفلاطون لم يكن على ود وتقدير للكتّاب والشعراء والمبدعين لدرجة منع وجودهم في جمهوريته، كما يشير التاريخ أيضا، إلى مدى السخرية المريرة التي سخرّها المسرحي (أرسطو فان) في ملهاته «الضفادع» (405 ق.م) لهجاء الفيلسوف سقراط، وما لاقاه فيها من نقد وتعريض إلى جانب فلاسفة آخرين. وفي البحث عن جدل تلك الوشيجة وأحيانا غموض تشكّلها؛ يمكن أن ينشأ بوجه عام هذا التساؤل: ما علاقة الكتابة الإبداعية بالفلسفة؟
يؤكد الباحث كمال فهمي في كتابه (الفلسفة والمسرح) الصادرة طبعته الأولى عن دار أفريقيا الشرق عام 2014م، على أن إجابة الأسئلة السابقة لا يمكن «إلا بإنصاتنا لما يقوله الفلاسفة عن المسرح، ولما يقوله المسرحيون عن الفلسفة وما تتضمنه إبداعاتهم الفنية وكتاباتهم النقدية من قضايا وأبعاد فلسفية». وفي ظل ذلك، يرصد الكتاب علاقة الفلاسفة: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وهيجل، وشوبنهاور، ونيتشه، وبريشت، وسارتر، والمسرحيين بيكيت، ويونسكو، وعبدالكريم برشيد بالمسرح في ضوء كتاباتهم ورؤاهم واهتمامهم بإثارة قضايا فلسفية ومعرفية كبرى؛ كمعرفة الإنسان لنفسه وللعالم من حوله ومحاولات حل لغز الموت وكذلك لغز الكتابة الإبداعية.
والناظر إلى فعل التفلسف عبر العصور الحضارية، كان الإنسان يتفلسف! ومنشأ المسرح تحرك في ظلال الفلسفة، أو السؤال الماهوي للإنسان إنّما عاش في تلك الظلال، تارة يتقدم وأخرى يتأرجح، إما بين العلم والدين، أو العلم والفلسفة، أو بينهما معا. فالإنسان، من حيث وجوده المادي أو كعنصر وجوهر هو اكتشاف قديم، بدأ يطرح الأسئلة ويفكر في الوجود ويُقلقه ما حوله مثلما يُدهشه، حيث يؤدي بعض الإدهاش إمّا إلى إمتاعه أو يقوده إلى حتفه!
في القرن الخامس قبل الميلاد، وفي أثينا مولد التراجيديات العظيمة لإسخليوس وسوفكليس ويوربيديس وكوميديات أرسطوفان ارتبط المسرح في نشأته بتجاور متلازم مع الفلسفة والأساطير، أو العقل والمخيلة، أو الميتافيزيقا والاستدلال والتجريد في آن. وأقرب تجسيد في الميثولوجيا الإغريقية لهذه النشأة المزدوجة والعجيبة والساحرة في آن، يمكن العثور عليه في صيغة حيوان (الساتير) ؛ فهو عبارة عن «شيطان هجين ذي جسم بشري بأرجل وأذنين وذيل تيس أو حصان».
ولأهمية التراجيديا لتفسير الكون والأنظمة المتحكمة في البشر ظل مفهوم التراجيديا جاثما على النفوس والأفكار طيلة حقبة طويلة من الآلام والأوجاع قضتها بلاد الإغريق في دفاع عن نفسها ووجودها ليُخلَّد سيرتها الأولى المؤرخ هوميروس في إلياذته الشهيرة.
إنّ التراجيديا يُمكنها أن تُلخصّ بحسب بعض الباحثين ميلاد الموت والمرض والجنون والقدر والحتمية الغارقة في الجهل والرثاء إلى جانب إثارتها لعاطفتي الشفقة والخوف، كرسالة تحذيرية من وقوع الإنسان في الإثم. إنها فعل ضد العقل والإرادة والحرية والاختيار. ولكن التراجيديا بمناخاتها الإبداعية الآسرة إنما ظل تاريخها كله عبارة عن تاريخ يحتفي بالإنسان فوق العادة، فأبطالها مسلوبو الإرادة، يقعون في أخطاء غير مسؤولين عنها، ومهمتهم إصلاح الحياة بالوقوع في المزيد من الأفعال الغريبة!
وتُلخصُ مأساة (أوديب ملكا) لسوفوكليس الأكثر اكتمالا بقيمها وخصائصها الجمالية المضمون الأسمى للتراجيديا. وباختصار تحكي المأساة عن مقتل أوديب أباه، وزاوجه من جوكاستا أمه، وأنجابه منها ابنتيه أنتيجون وأسمينا، وولديه ايثيوكليس وبولينيس. وفي الجزء التابع تبدأ معاناة أنتيجون مع النظام السياسي والتراجيدي الناظم للحياة معاناة أخلاقية تنتهي بموتها.
وانطلاقا، من هذه المأساة وغيرها من الملاحم اجتهدَ أرسطو فوضع في كتابه (فن الشعر) أسس الكتابة الإبداعية لتأريخ النوع الأدبي ضمن تحديدات محددة. ويُعدّ نموذج البطل التراجيدي ومبدأ التطهير أحد مرتكزات تلك التراجيديات.
لكن عصرنا لم يعد فيه أولئك الأبطال الذين يشبهون أوديب ولا سيزيف ولا أنتيجون. لقد انتهى عصر البطولات الخارقة كما ولى زمن المعجزات! والناظر اليوم إلى زمن هذا العصر يفجعه المشاهد الغريبة والتصورات العجائبية التي باتت تُشكِّل أوجه الحياة في جميع بقاع الكرة الأرضية؛ لدرجة تجعل الاستشهاد بأن الزمن هو زمن «اللامعقول» بامتياز شهادة تسير على لسان حال الجميع.
واللامعقول هنا، ليس ذلك الاتجاه المعروف تاريخيا في بعده الفني الجمالي الذي أرسى دعائمه المسرحيون الطليعيون؛ بل هو «لامعقول» وحشيٌّ لم يفرز حتى الآن شيئا يمكن الإمساك به أو معرفة خصائصه واتجاهاته، إنّه «لامعقول» مستلب، بلا ملامح واضحة في الفلسفة والفكر أو الكتابة والفنون، فلا ألفاظ، ولا موسيقى ولا طعام، ولا أزياء، إنه «لامعقول» كونيٌّ يقود إلى ظواهر متعددة ومتداخلة واعية وأخرى لا شعورية يصعب التكهن بمآلها.
في ظل هذه الخلفية ومآلات الرؤية التراجيدية للفن، تقاطعت جذور مسرح اللامعقول لدى العديد من الفلاسفة والمسرحيين في العالم، وتم وضع الألم على مشرحة للتفسير والتأويل. إذّ يُعيدنا منظر الجثث المتفسخة على شاشات الفضائيات وأشلاء الأطفال الممزقة رؤوسهم إلى مسرحية أميديه ليونسكو؟!
وقد ماتت التراجيديا كرؤية للوجود وللفن، كما انتهى مسرح اللامعقول كصيغة فنية، ولكن ظهرت اشتغالات أخرى لم تخل تماما من الخصائص الدرامية للشكلين الفنيين السابقين لدى بعض النصوص الإبداعية للمسرح، تحتفي تارة بالبطل الشعبي وتارة بالجماعة، وتهدم تارة أصل التطهير الأرسطي وتقوّض مفهوم اللغة والزمان والمكان، متخفية أحيانا أو معلنة أن سبب ذلك التوجه هو كل مظاهر الفوضى والاضطراب الذي يسود العالم اليوم. إن بعض الكتابة الإبداعية للمسرح أخذت تُشكل عودة إلى الأزمات الحقيقية لإنسان اليوم، وهي تجارب متفاوتة في اختلافات منطلقاتها الفلسفية والسياسية وفي رؤاها الفنية والدرامية، ويبدو روح العصر روحا مثقلة بالآثام والأحزان، وهي إشكالية في صورة أزمة وجودية كبرى تضع الألم البشري في موقع الصدارة، وتدفع به في تصاعد كبير مثلما دفع الحقد والانتقام «ميديا» إلى ذلك المصير البائس.
إن هذه الرؤية القاتمة للحياة وللكتابة الإبداعية المنطلقة من هاتين الصيغتين لا تؤديان إلى ازدهار، بل إلى موت واضمحلال، والنظر إلى انتظار أنساق ثقافية متغيرة وناقدة هي نقطة تحول يمكن البناء عليها حتى لا نظل أسرى معالجات درامية هزلية وميلودراما مبتذلة.