عن أبعاد المُجتمع الجماهيريّ وتحدّياته

د. الحبيب استاتي زين الدّين –
أستاذ باحث من المغرب –

استوحيتُ هذا العنوان من مؤلَّف «ما الديمقراطيّة؟» لـ«آلان تورين»، وكِتاب «هانك جونستون» الموسوم بـ«الدول والحركات الاجتماعيّة». ربّ قائل: إنّ مُقاربتهما تختلف، بيد أنّ حضور لفظ مُصطلح الحركة الاحتجاجيّة أو المجتمع الجماهيريّ في مَتن المؤلَّفَين يُقلِّص جوانب الاختلاف، ويُرجِّح مُبرّرات هذا الاختيار الثنائيّ وإنْ تباعدت المدّة الزمنيّة بينهما.

أمّا السبب الأوّل الكامن وراء ترجيح هذا الاختيار بالنسبة إلى العنوان، فيرتبط باستحضار شيوع استراتيجيّة توظيف الشارع العامّ في حَسْم القضايا العالِقة على الرّغم من مرور أكثر من ثماني سنوات على ما سُميّ بـ«الرجّة العربيّة» وما استتبعها من فَيضٍ في الأحلام والآمال بالعيش في كنف «دولة الإنسان». ما مردّ ذلك؟ ما الذي حال دون ترجمة هذا التطلُّع المشروع إلى أفعال وإجراءات مَلموسة؟
لن يُعثر، في تقديري، على إجابات مُتضارِبة بشأن هذا الاستفهام، بل لربّما قد نندهش من حجْم الاتّفاق الحاصل بخصوص الخَيبات التي حصدها الحراك العربي، إلى درجة يُمكن معها القول: إنّ المنطقة العربيّة، ونحن جزء منها، تتفاعل- طوعاً أو كرهاً- مع المواعيد لكنّها تجيد الإخفاق في استغلال فرصها لفائدةِ العامّة من الناس. كما ودَّعت القرن العشرين خارج حركة الدّمقْرَطَة وإرساء أُسس التحوُّل السياسي الفعّال والناجِع، وهي الآن تعيش العقود الأولى من الألفيّة الجديدة خارج مناخ التغيير وروحه.
لقد ظهرَ أنّ الآمال والتطلّعات لم يُكتب لها التحقُّق إلّا في النفوس والعقول، وهو ما يجعل رهان إعادة بناء أنماط جديدة من تولّي حُكم الناس وتدبير شؤونهم العامّة قائماً من دون أن يتقرَّر. هذه النتيجة – أو لنقلْ هذه الخَيبة- تقودنا إلى السبب الثاني الذي يُعزِّز لدى الناس فكرة التشكيك في قدرة السياسي، والسياسة بعامّة، على إحداث أيّ تغيير، اللّهم تغيير المَواقع (من المُعارضة إلى الأغلبيّة أو العكس، أو من الفقر إلى الغنى، ومن المبادئ إلى المصالح وغيرها من مظاهر الإساءة للعمل السياسي)، حتّى صارت المُمارَسة السياسيّة موسومة بالنفع الفردي عوض المصلحة العامّة، ومُرادِفة للاستعداد إلى التضليل والتمويه بدل نقل الحقيقة وتعزيز الثقة. التعميم قد يُضِرّ بالحذر الإبستمولوجي، لكنّ الواقع مُخيِّب للعزائم.
لم يعُد الناس يعتمدون، هذه الأيّام، على الأحزاب السياسيّة والاستحقاقات الانتخابيّة فقط لكي يعبّروا عن تفضيلاتهم، ولكنّهم يلجؤون إلى المُمارَسة الاحتجاجيّة بأشكالها وأساليبها المُختلفة (مَسيرات، ووقفات، ومُظاهرات، وإضرابات، واعتصامات) للتعبير عن مَطالبهم في التغيير الاجتماعي، حتّى أنّ هذه الاستراتيجيّة أصبحت تُعتبَر، من طرف معظم عُلماء الاجتماع والسياسة، جزءاً لا يتجزّأ من مسلسل عميق من التحوّلات المجتمعيّة التي تشهدها دول العالَم كافّة في السنوات الأخيرة، ومن ضمنها البلدان العربيّة. إنّ الحركة الاحتجاجيّة تَحدثُ لأنّ الناس لا يستطيعون الصبر على مَظاهِر عدم العدالة التي يتعرّضون لها، وصور المعاناة التي يخبرونها، والمَظاهر التي يظهرونها أمام الدولة، من دون إغفال مسألة ضرورة التخطيط ورسم الاستراتيجيّات، والعمل مع الآخرين، والتكيُّف مع البيئة السياسيّة بطريقة تُنتِج النجاح أحياناً والفشل أحياناً أخرى. لكن ما ينبغي التنبُّه إليه هو أنّ الدافع الجماعي لا يفسِّر كلّ شيء، بل «من الضروري الأخذ بعَين الاعتبار باقي العوامل البنائيّة، أي تلك العلاقات طويلة المدى بين الجماعات والتنظيمات والمؤسّسات في الدولة والمجتمع». لكن عن أيّ عوامل وعلاقات نتحدّث؟ وما التحولّات المجتمعيّة المُحفِّزة للفعل الاحتجاجي؟

في احتجاجات الألفيّة الثالثة

بدايةً، لن يكون من باب المجازفة القول: إنّ ذلك الزمن الذي كان فيه الدّارسون ينظرون إلى الحركات الاجتماعيّة والاحتجاجيّة على أنّها ظواهر غير عاديّة، بحُكم أنّ أشكالها تكاد تكون، في جميع المناطق، بمثابة «أساليب مهمّة لتأكيد المَصالح والدّفاع عنها في السياسة المُعاصِرة» قد مضى. هناك، اليوم، موجاتٌ من الاحتجاجات، تُطاوِل بشكل أكبر الدول الهشّة، ويُتوقَّع أن تستمرّ، وتدوم، وتتصاعد وتيرتها، بسبب العوامل الموضوعيّة المسؤولة عنها، والمُسبِّبة لنشوبها. والحقيقة أنّها ظاهرة قديمة، بيد أنّ احتجاجات الألفيّة الثالثة موسومة بمتغيّرات جديدة لم تكُن حاضرة خلال القرن الماضي، وفي مقدّمتها ثورة التكنولوجيّات الجديدة، وما تتيح لمُستخدِميها من إمكانيّات هائلة لربط الاتّصال، وتبادُل المعلومات، والتواصل من أجل تكثيف الجهود للضغط على الحكومات، وهو ما لم يكُن مُتاحاً نهائيّاً خلال عقود القرن العشرين، أو القرون التي سبقته، إلى جانب ما اكتسبته أجيال الحركات الاحتجاجيّة الجديدة من وعيٍ ملحوظ، إذ لم يعُد الناس يستسيغون فكرة أن لا طاقة لهم على تغيير قَدَرهم كما صُوّر لهم، وأنّ الرضا هو أفضل عزاء لوضعهم. لربّما تحقَّق ما عناه سارتر بقوله: إنّه «ابتداء من اليوم الذي يُمكِن فيه تصوُّر حالة أخرى للأمور يُمكن أن يُلقى ضوء جديد على آلامنا وبلايانا، وأن نُقرّر أنّه لا يُمكن احتمالها».
ولعلّ المُهتمّ بهذه الديناميّة المُجتمعيّة يُدرك أنّ الشباب، وهُم الفئة العريضة في المجتمع، ما عادوا يخافون من مُطالَبة الدولة بأن تعاملهم على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والاستحقاق، وأن تقوم بالواجبات المنوطة بها بمُقتضى الدساتير والقوانين الجاري العمل بها، على أساس أنّ على البلد أن يكون بَيتاً للعَيش المُشترَك، على قاعدة المُواطَنة ليس إلّا. ولأنّ مجتمع «الحركة الاحتجاجيّة» في تطوُّرٍ وتصاعُدٍ دائمَين، وأصبح يقوم بدَورٍ أساس في الديمقراطيّات الحديثة، بحُكم أنّ المُحتجّين يلفتون انتباه المسؤولين إلى قضايا ليس لها مكان في بَرامج الأحزاب، ويجعلونهم على دراية بمَكامِن القصور والهشاشة في الفترات المُمتدَّة بين الانتخابات، يجدُ الباحثُ نفسَه مُلزَماً بالبحث في أسباب هذه الظاهرة المجتمعيّة وامتداداتها.
الجدير بالذكر، في هذا الإطار، أنّه وإن كان ثمّة اختلافات قائمة بخصوص المُنطلقات الأولى للأحداث الكبرى التي تشهدها الدول العربيّة، غير أنّ هناك بعض العوامل والمتغيّرات المُشترَكة التي أَسهمت بشكلٍ حاسم في تفجير الأوضاع؛ بحيث ينطبق على هذه الدول تشخيص الراحل المهدي المنجرة، بقوله: «إنّ تاريخ العالَم الثالث، في الخمسين سنة الأخيرة، عبارة عن سلسلة لا متناهية من المَهانات والمذلّة».
من الناحية السياسيّة، عاشت الشعوب العربيّة، باعتبارها جزءاً من هذا العالَم، منذ بدايات استقلالها أواسط القرن الماضي، في ظلّ نُظم سياسيّة تسلّطيّة، من أبرز مَظاهرها إفراز انشراخات وتخارُجات بين قانون الجماعة ووجدان الفرد، بين السلطة العموميّة وسلطة الفرد، بين المدينة والبيت. الفرد، والحالة هاته، من منظور عبد الله العروي، «مُستعبَد بالتعريف، لا يعرف الحريّة إلّا إذا خرج منها وعليها». أثّر التسلُّط ،إذن، سلباً على حركيّة الاقتصاد وإنتاجيّته وتنافسيّته، إذ كان لتحالُف المال والاقتصاد والسلطة نتائج وخيمة على تعميق التفاوت بين مكوّنات المجتمع: نخبة اقتصاديّة تَستحوذ على مُعظم خيرات البلاد، وبَنَت ثروتها بفضل اقتصاد الرَّيع، مقابل تزايُد الفئات الشعبيّة التي تعاني من الفقر والبطالة، وما رافقهما من اتّساع فجوة اللّامساواة بين الأغنياء والفقراء في مجموعة من البلدان العربيّة، ولا سيَّما بعد التخلّي عن مُكتسبات دولة الرعاية الاجتماعيّة، والتأثُّر برياح التغيّرات الاقتصاديّة العالَميّة خلال الربع الأخير من القرن الماضي. وعلى الرّغم من النتائج التي تحقَّقت نتيجة تطبيق معيار نسبة النموّ الذي اتّبعته الدول العربيّة، استجابةً لإيحاء أو إملاء المؤسّسات الماليّة والاقتصاديّة الدوليّة، نُسجِّل انهياراً شاملاً لنَماذج التنمية التي فرضتها المَحافل الدوليّة، وهذا الانهيار هو المستديم وليس التنمية؛ إذ لم تنعكس الأرقام «الورديّة» لهذا النموّ على المستوى المعيشي للمُواطنين، بسبب عدم مُراعاة البُعد الاجتماعي للنموّ، بما يفيد أنّ مَنافع النموّ لم تُوزَّع توزيعاً مُتكافئاً، ولم تصاحبها عمليّة إعادة توزيعٍ للدخل العامّ بطريقة سليمة وعادلة، الأمر الذي قاد إلى تفشّي ظاهرة الفساد التي باتت تتشكّل في منظومة اجتماعيّة مُتكامِلة.

تنمية من دون ديمقراطيّة

إذا تأمّلنا، على سبيل المثال لا الحصر، الحالة التونسيّة والمصريّة والمَغربيّة بخصوص سوء توزيع الثروة والطُّرق غير المشروعة للاستيلاء عليها، نَجد تشابهاً بينها، مع اختلاف في الدرجة وليس في النَّوع، بالنَّظر إلى تعثُّر أنظمتها في خلق نظام اقتصادي تنافسي عادِل تكون فيه المَسافة بين السلطة والثروة واضحة. في غياب اقتصاد بهذه الميزة، أصبحت هذه الدول تقترب، في صيغتها الحاليّة، من مُعادَلة التنمية من دون ديمقراطيّة. لذلك، فلا غرابة أن نقرأ في التقارير التنمويّة الإقليميّة والأجنبيّة عن تفاقُم معدّلات الفقر والبطالة في بلدان العالَم العربي. فمُعدّلات الفقر في مصر، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء، تطوَّرت نِسبه من 16.7 % سنة 1999/‏‏2000 إلى 21.6% سنة 2008/‏‏2009، إلى 25.2% سنة 2010/‏‏2011، ثمّ 27.8% سنة 2015؛ ولم تقلّ هذه النسبة في تونس عن 15.5 % في أحسن الأحوال، على الرّغم من الأرقام المُتضارِبة. أمّا عن المَملكة المغربيّة، فتتحدّث خلاصات المندوبيّة السامية للتخطيط، حول النتائج الرئيسية لخريطة الفقر متعدّد الأبعاد، عن انخفاضٍ سنويّ للفقر متعدّد الأبعاد قُدِّر بنحو 9.4 % بحُكم انتقال عدد الفقراء من 7.5 مليون فرد سنة 2004 إلى 2.8 مليون سنة 2014. إلّا أنّ نسبة الفقر في تطوّر لا في تراجُع بحسب آخر تقرير للمندوبيّة.
هذا في الوقت الذي خضعت فيه المُجتمعات العربيّة كافّة لتحوّلات مُتسارعة عديدة، من تجلّياتها الانتقال الديمجرافي البارز، والتحوُّل من العائلة الممتدّة إلى الأسرة النوويّة، وتزايُد نسبة التمدّن (حيث يتجاوز 60%)، وتنامي دور الطبقة الوسطى، وانتشار التعليم، وتفشّي بطالة الشباب، واهتزازات في القيَم وفي العلاقات الاجتماعيّة، وفي الوعي بالذّات، وبروز تعبيرات الفردانيّة، وذلك بفضل ارتفاع نسبة التعليم والانفتاح على ما تقدّمه التكنولوجيا في مجال التواصل، ونخصّ بالذكر هنا الشبكات الاجتماعيّة التي تحوَّلت من وسيلة للتعارُف والتواصل إلى أداة للتعبئة والتعبير عن حجم الصراعات والمُفارقات القائمة داخل المجتمع، حيث تمكَّن الفرد، تدريجياً، بفضل الاستعمال المكثَّف للإنترنت من التحوّل من مجرّد مُستهلِك للمنتوجات الماديّة والثقافيّة إلى مُنتجٍ ومُساهِم في بناء مضمونه تبعاً للفُرص المُتاحة والظروف المُحيطة. واللّافت أنّ هذا التحوُّل حمّال أوجه. فبقدر ما ينقل، ولو نسبيّاً، بروز وعي مجتمعي بمُجريات الأحداث والتحدّيات والسياقات المحليّة والخارجيّة، يستبطن مَخاطر ستكون آثارها مدمِّرة للفرد والمجتمع في حال استمرار التغاضي عنها أو عدم تدخُّل الحكومّة للتقليل من حدّتها. كيف ذلك؟
بالمعنى الذي نحته «يورغن هابرماس» للفضاء العامّ، تُجسِّد الحركات الاحتجاجيّة الفعل التواصلي والمُمارَسة الديمقراطيّة. وهُما بُعدان مُحفّزان يزيدان من جاذبيّة هذه الحركات. لكن، ليس الأمر بهذا الإطراء دائماً. سرعان ما تضمحلّ جاذبيّتها عندما نستحضر دلالات تنامي مَظاهر المجتمع الجماهيري بشكل ملحوظ. يكفي الرجوع إلى «آلان تورين» لفهم بعض جوانب المَخاطر التي يُمكن أن تهدِّد أيّ مجتمع تتناسل فيه الحركات الاحتجاجيّة بأعداد كبيرة تتعدَّد مَطالبها وتعبيراتها وفضاءاتها وفئاتها، ناهيك بميلاد نَوع جديد منها في مَواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت في الآونة الأخيرة مَسرحاً لها، على صفحاتها تخوض مَعاركها ونضالاتها، وعلى مقاس درجة التقاسُم والتفاعُل يتحدّد مَسارها. من ضمن هذا التصوُّر، ما عاد بإمكان الفرد في الحياة الجديدة نَيل الاعتراف به كذات مفكِّرة ومستقلّة تحظى بقيمة وكرامة من خلال أشكال التضامُن التقليديّة فحسب، وإنّما على أساس ما يتمتّع به من كفاءات وإمكانات بالدرجة الأولى. بتمديد النّظر إلى مآلات هذا التصوّر، يبدو أنّ القارئ الكريم انتبه إلى أنّ الاحتجاج وما يعكسه من صراعات مجتمعيّة، واقعيّة كانت أم افتراضيّة، سيظلّ لازمة للفضاء العامّ، ومادّة حاضرة في النقاش العمومي (بحمولات وتأثيرات إيجابيّة أحياناً وسلبيّة أحياناً أخرى)، وعلامة بارزة على أنّ الإقصاء والتهميش لا زال قائماً، وأنّ الحياة الكريمة تظلّ أحد زبائن غرف الانتظار في السياق العربي على الرّغم ممّا يُبذل من مجهودات. وحتّى نُبقي باب التفاؤل مفتوحاً، لنتذكَّر على الدوام أنّ «الإخفاق وارد… لكنّ النجاح أيضاً وارد وبالقدْر نفسه، وإلّا لما فكَّر في الأمر أحد».

ينشر المقال بالاتفاق مع مؤسسة الفكر العربي