« فكر17» .. حوار مختلف

محمد جميل أحمد –

جاءت فعاليات مؤتمر (فكر 17) الذي نظمته مؤسسة الفكر العربي (التي يرأس مجلس الأمناء فيها الأمير خالد الفيصل) هذه المرة بالظهران (شرق السعودية)، حيث تقام دورته السابعة عشرة لأول مرة في المملكة العربية السعودية، وامتد الحدث الأسبوع الماضي بين يومي 1 إلى 5 ديسمبر.
انتابني إحساس غريب وأنا أدلف إلى مبنى مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) في مدينة الظهران بهيكله الذي يوحي لعين الناظر شكلًا غير منتظم على غرار الأشكال الفوضوية لبنايات عمارة ما بعد الحداثة.
لوهلة، بدا لي أن في اختلاف المعمار البديع للمركز ما يشي بدورة مختلفة لمؤتمر (فكر 17) فما يراه الزائر من تنظيم دقيق وحفاوة في الاستقبال من شباب وشابات يعكس في نفسه شعورًا عميقًا بالثقة التي تفيض من تلك الوجوه والابتسامات الشابة.
ضيوف المؤتمر من المفكرين والباحثين العرب والأجانب، عكس اختيارهم وعيًا عميقًا بقيمة الاختلاف وضرورته، من قبل منظمي الدورة 17 حيال أولئك الضيوف واختلاف توجهاتهم في وجهات النظر في قضايا مختلفة من التعليم، إلى العلوم الاجتماعية، إلى الثورة الصناعية الرابعة، وإلى دور المثقف الجديد في عالم متغير.
ما لفتني في هذه الدورة، أن النقاشات التي تعقب كلمات المحاضرين كانت أكثر ثراءً من المحاضرة في كثير من الأحيان، فالمشاركات والمداخلات والأسئلة الجريئة من شابات وشباب حيال قضايا معقدة في الواقع العربي أحدثت على هامش العديد من الفعاليات عصفًا ذهنيًا لفت الكثيرين إلى حقيقة المتغيرات في واقع جرت فيه مياه كثيرة تحت الجسر.
ولعل الجلسة العامة الختامية التي كانت تحت عنوان (المثقفون العرب ودروهم في تجديد الفكر العربي) التي كان من أبرز المتحدثين فيها؛ المفكر المغربي عبدالسلام بن عبدالعالي من أهم الجلسات التي عكست طبيعة الاختلاف في وجهات النظر المتفاعلة بين الجمهور والمثقفين.
لقد كان واضحًا في كلمة د. عبد العالي تجليات مقولة المفكر الفرنسي رولان بارت عن المثقف حين قال الأخير: «إن دور المثقف أن يتحمل هامشيِّتَه».
كلمة عبدالعالي التي لقيت في بدايتها ونهايتها تصفيقًا حارًا من الجمهور كانت دلالة على مؤشر للاختلاف النوعي الذي يمكن أن يؤثر ويفعل فعله في عقول أولئك الشباب والشابات؛ فالمثقف، كما جاء تعريفه في تلك الكلمة، لا يملك، بالضرورة، مواصفات النجم، كما لا يتمتع بالوثوقية التي تجعل صاحبها عارفًا بكل شيء ومستعدًا للتبرع بالكلام عن كل شيء بوصفه مثقفًا فيلعب دورًا خطيرًا في تغييب الحقيقة بموقفه ذاك.
ومن أهم جلسات المؤتمر جلسة حول التعليم في العالم العربي التي تحدث فيها مجموعة من الباحثين كان أبرزهم الدكتورة نيفين مسعد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، التي تحدثت عن التربية على الحق في الاختلاف وكشفت عن الدور الغائب لثقافة الاختلاف التي من دونها لا يمكن أن يكون هناك قبول للآخر أو قدرة على الاندماج لا في سياق المجتمع العربي، ولا في سياق المجتمعات المعاصرة.
كان واضحًا خلال جلسات مؤتمر فكر 17 أن المشكلة لا تكمن في غياب الفكر فقد أنتج العرب فكرًا في القديم والحديث، بل تكمن في الاستعصاء الذي يجعل الفكر اليوم غير قادر على صناعة التمثل في واقع عربي أصبح يغترب عن نفسه أكثر كل يوم. وفي سياق أصبحت فيه التناقضات العربية أكثر وضوحًا وجذريةً على أكثر من صعيد. في تقديري لعل الظن بأن مقولة الفكر العربي كمفهوم مجرد ربما لن تكون متطابقة مع مضمونها إلا على نحو شديد التجريد.
فالتفكير في الفكر بوصفه حالة عامة واحدة، في واقع عربي مجزأ ومختلف الوجهة والمكان في تطور بلدانه وتعدادها وسياقاتها الاجتماعية، ربما لا يهدي إلى الوصول لرؤية تعين على الحل بل قد يضيف تعقيدات أخرى. ما سيفرض النظر إلى التجارب المختلفة لكل بلد عربي على حدة.
وكما يمكننا الحديث تجاوزا عن وطن عربي، يمكننا القول إن هناك فكرا عربيا بذات المعنى التجريدي الذي يمكن منه فهم متخيل مشترك أكبر للناطقين بالعربية دون أن يكون ذلك بذاته صالحًا لأن تكون مفرداته على قياس واحد بكل دولة عربية على حدة. فالفكر العربي هو نتاج التفكير العربي بما يحمله من دلالة عامة تماماً. إن الاهتمام بضرورة الفكر وأولويته في مقاربة إشكاليات قضايا الواقع العربي ينبغي أن يكون على رأس الأولويات التي تعين على كيفية تجاوز تحديات ذلك الواقع.
لقد كان مؤتمر فكر 17 في مدينة الظهران بالمملكة العربية السعودية منصة مختلفة لإدارة حوار مكشوف وفرصة واعدة بالمزيد من الحوارات على تلك الشاكلة. كما كان المؤتمر فرصة حقيقية للقاء مفكرين عرب بجمهور في غالبيته من الشباب والشابات؛ تفاعلوا معهم خلال جلسات المؤتمر بما عكس حيويةً واضحةً في النقاشات التي دارت بينهم على مدى 5 أيام.