التكنولوجيا المالية ليست هدفا في ذاتها

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

اعتاد العالم الاقتصادي على إنتاج مفردات وتعابير جديدة كل فترة، كتعبير عن تطورات موضوعية في الأسواق من ناحية، واستشرافا لموجة مقبلة، وكتحديث في مواجهة ملل اللغة من ناحية أخرى. شهدنا مطلع التسعينات وسمعنا عن تحرير الاقتصاد وكذا الأسعار والأسواق وعن التثبيت والتكيف الهيكلي، ثم عن الخصخصة أو الخوصصة أو ما تشاء، ثم جاءت موجة أخرى تتحدث عن الهندرة أي إعادة هندسة أو هيكلة المشاريع والشركات، ثم التنافسية، والمسؤولية الاجتماعية، وصولا إلى الشمول المالي وأخيرا «فين تك» أي التكنولوجيا المالية. من الطبيعي أن يتحدث أهل كل قطاع في الاقتصاد عن التكنولوجيا التي تخصهم اكثر من غيرها وترتبط مباشرة بأنشطتهم وأهل الصنعة المالية من بين هؤلاء، وبالنسبة للجميع نقول ولم لا فالتكنولوجيا وآثارها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية هي حديث العالم الآن، وتتزايد الرهانات عليها – ومعها الشباب المبدع المبتكر بها ومن خلالها – في أن تنقذ الاقتصاد العالمي، بل وتنقذ الكوكب كله مما يعانيه من مشاكل وتحديات سواء ارتبطت بالفقر أو تدهور البيئة أو الجريمة إلى آخره. وفي المقابل تتزايد التحذيرات منها ومما تدعمه من سيادة المتخيل على الواقعي وتفتت المجتمعات والثقافات واللغات، وكيف أنها ترج بعنف أسواق العمل وتخيف المئات من الملايين من فقدان وظائفهم، وسيستمر هذا الجدل معنا إلى حين.
واذا كان للاقتصاد نفسه فروعه فهو اقتصاد كلي أو جزئي أو صناعي أو زراعي أو خدمي أو سلوكي … ، فقد اصبح للتكنولوجيا فروعها العلمية أيضا، ومن هنا نشأ التركيز على المعارف والتقنيات المتصلة بالتكنولوجيا المالية كفرع مهم، والتوقعات بشأن تطورها والى أي مدى ستتغير أحوال البنوك والنقود والخدمات المصرفية وسلوكيات المودعين والمقترضين مع تطور الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والمحافظ البنكية عبر الهاتف الذكي أو التطبيقات الإلكترونية المختلفة والنقود الإلكترونية وحوكمتها والبصمات البيومترية ودورها وهكذا.
تتبارى المصارف الآن كل يوم في إظهار كيف أنها الأكثر استثمارا في البنية التحتية التي تخص ما هو قادم من تطور تكنولوجي والبشر الذين تؤهلهم والبرمجيات التي تستخدمها وتطورها بذاتها أو مع آخرين ـ وكم خبيرا من الهند أو وادي السيلكون الأمريكي أو الفلاني لديها، وبدا البعض يعد نفسه بالفعل لزمن سيأتي تختفي فيه مباني البنوك تماما كما يختفي أي تعامل بين الموظفين البنكيين وبين الزبائن. ولم تتأخر الدول في تبني منظومات تشريعية مواكبة أو محفزة مثل قوانين المدفوعات الإلكترونية والتحول إلى الاقتصاد اللانقودي والمجالس العليا للاقتصاد الرقمي والأمن السيبراني والجريمة الإلكترونية. وبدورهم بدأ الزبائن يتأهبون ولكن وبوتيرة أبطأ للتغيرات ولسان حال بعضهم يقول: «ما كنا مرتاحين كده !»، بينما البعض الآخر يترقب بحذر مخافة أن تشكل له التكنولوجيا طلاسم لا يستطيع التعامل معها أو محاسبتها إذا رأى أن له حقا لدى البنك نتيجة خطأ في «السيستم» ، ولكن حماس الأجيال الجديدة للتحولات عارم ولذلك ليس صدفة أن نمو المحافظ البنكية التي يتم إنشاؤها بالتعاون بين البنوك والبنك المركزي وشركات الاتصالات قوي جدا. بكل يقين هناك داخل البنوك وداخل الجهات الحكومية من يقاوم بشدة التحول الرقمي لأنه يحول بين احتكاك الموظف بالعميل ويغلق الكثير من فرص التكسب، وهناك من يسعى للتعطيل، لكن الجديد الذي أراه أن الوضع في القطاع الخاص ليس افضل من الحكومة، فهناك قطاع خاص يخاف ويخشى التطورات الرقمية والإلكترونية سواء في البنوك أو في الصناعة أو الأنشطة الخدمية، ويرى انه مستفيد من الوضع الراهن ولن يستطيع أن ينافس مع الجديد، وهذه طبيعة الحياة في مراحل التحولات الكبيرة عموما، ويزيد من الضغوط على الدول من اجل تعميق الرقمنة أن تقارير التنافسية العالمية ومناخ الأعمال أصبحت تمنح ما يتعلق بالمهارات العالية والتكنولوجيا والتحول الرقمي أوزانا تعلو عاما بعد آخر والسباق لا يرحم.
ومع كل ما تقدم يبقى هناك ما يمكن قوله أو يجب قوله فحسب الوزيرة المصرية السابقة الدكتورة سميحة فوزي – أستاذة بكلية الاقتصاد – فان التكنولوجيا المالية ليست موضة أو شيئا نفعله لنقول أننا نواكب العصر ونسير مع التقدم وكفى، وانه لا بد أن نكثف أولا ارتبط التكنولوجيا بالقطاعات في الاقتصاد الحقيقي كالصناعة والزراعة وفي رفع الإنتاجية ولا بد من قياس دقيق لكم الفوائد التي تتحقق في الإنتاج وللأفراد والمجتمع من تبنى أي تكنولوجيا. وفي إطار مناقشة متخصصة نظمها مركز المشروعات الدولية – سايب بمصر – حول هذا الأمر قلت أن من الملاحظات الغريبة في منطقتنا عموما أن التحول الرقمي يصحبه في كثير من الحالات ارتفاع في تكلفة الخدمات المقدمة مع انه يفترض أن التحول يحقق وفرا لمقدم الخدمة- بنكا أو غيره – حيث يلغي الكثير من الأعمال الورقية والوظائف ويختصر الخطوات ويقلل الزمن ويزيل المخاطر إلى حد بعيد وهكذا، بل إن وزارات المالية تقول عادة أنها ستتحقق لها وفورات بعشرات المليارات من ميكنة الموازنة العامة حيث ستسرع دورة الأموال وعمليات الدفع والتحصيل وتوضح مواطن الاحتياج والتمويل وتدقق الاعتمادات وتضبط الإنفاق وتتيح بناء منظومة مشتريات محكمة وهي تدفع قدما مكافحة التهرب الضريبي و.و.و، ومع ذلك فإنها لا تنقل ما يتوفر إلى بنود الخدمات العامة بالموازنة بل يتم أيضا رفع أسعار خدمات ورقية كانت تقدمها الحكومة بعد أن أصبحت إلكترونية. نبهت وغيري أيضا إلى وجوب مراعاة أننا في مرحلة اختبار أنماط التكنولوجيات المالية الأفضل والأكفأ والأطول عمرا وبالتالي يتعين التأني بشدة في التعاقدات مع توسيع نطاق التأمين على العمليات لمواجهة خسائر الطفرات التكنولوجية المباغتة والتي تلغي ما قبلها كليا (تذكروا بولاريد وكاميراتها للتصوير والتحميض اللحظي وكيف اختفت بعد ظهور الفون الذكي).
وتثار عادة أيضا أسئلة مهمة بشأن التكنولوجيا المالية فالبعض يرى أهمية في أن تقدم البنوك المركزية مبادرات لتبنيها وتطويرها في الجهاز المصرفي والبعض يقول أن الرقيب يجب أن يظل بمنأى عن أي عمليات بعيدة عن مهمته وتخصصه، وان يترك ذلك للبنوك نفسها وللقطاع الخاص لكن اهم ما يتوجب على البنوك المركزية القيام به هو تطوير قدراتها الرقابية لتتماشى مع التطور في التكنولوجيا المالية بالبنوك وتحديث قواعد حماية المستهلك واعرف زبونك بما يناسب ذلك.
ويلاحظ خبراء كثيرون أيضا أن المخاوف الأمنية حيال التكنولوجيا في بلادنا العربية اكبر بكثير مما هي في الخارج مع انهم في الدول المتقدمة لن يهملوا بالطبع ولكنهم يقومون بتأمين المعاملات الإلكترونية بطرق لا تجعل الزبائن يضجون أو لا تجعل الأعمال تتعطل. أخيرا فان القطاع المالي غير المصرفي يحتاج نظرة أوفر إليه لإدخال التكنولوجيا المالية إلى معظم أعماله وهي التي لا تزال بعيدة عن الرقمنة، خاصة فيما يتعلق بالدفع والتحصيل، كما انه لا يمكن أيضا الحديث عن إلغاء الكاش من غير إدخال تكنولوجيا الدفع الإلكتروني إلى عقود التأجير التمويلي والرهونات العقارية وبيوع الأراضي إلى نهاية ذلك، ومن الجلي أن إدخال تلك التكنولوجيا إلى قطاعات مثل التأمين الصحي ونظم الادخار وصرف الأرباح وجمع وتوزيع التبرعات هو مطلوب بشدة أيضا. النجاح في التكنولوجيا المالية وثيق الصلة بالنجاح الاقتصادي الاجتماعي ككل، ومن الضروري كما تقول الخبيرة رندة الزغبي – مدير سايب بالقاهرة – البحث عن لغة خطاب جديدة لتوصيل أهمية التكنولوجيا المالية والاقتصاد اللانقودي للناس وجعل الجميع شركاء في جني المكاسب لأن الذي لا يعرف التكنولوجيا ولا يستطيع الإفادة منها قادر في النهاية على أن يعطلها لو رأى نفسه مهمشا بسببها.