عطر: روميو وجولييت

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

الحياة ومسرحها وملهاة من بدايات ونهايات لا تنتهي، انه الخوف الذي يأخذنا إلى أبعد من المستقبل وأعمق من الغموض، رحلات داخل الذات نقوم بها بحثا عن المعنى الحقيقي لوجودنا في عالم يحركنا معظم الأحيان عكس حاجاتنا، وكأننا ندور عكس عقارب الساعة، وقد تُخرج السرعة الفائضة للأحداث بعضنا خارج الدائرة فتكون النهاية.
هي دوائر كاملة لذا نحتار في بدايتها ولا ندرك نهايتها، صراعات تولد صراعات وآمال تغتالها النهايات، ومع هذا في متعة الوجود لذة الفقد وغموض الرحيل، عناصر كثيرة تشكلنا كمادة خام يعاد تدويرها في عملية صهر ناتجة عن حاجات وجودية غيبية ومجهولة، هذه النظرة إلى العالم تفرض علينا ترتيب وعينا لندرك حقا لماذا حدثت تلك البدايات؟ ولماذا نعيش بحتمية النهايات؟ أمر يجعلنا نجري عملية قياسية غايتها معرفة لماذا يموت الحب الذي ولد من بداية؟ وهل حتمية النهاية شرط ونتيجة لتلك البداية؟
عندما أحب روميو جولييت لم يفكر بشكل النهاية رغم صعوبة تفاصيل واقعهما وتناقضه العمودي الرهيب، تحد قلبيهما المستحيل وخاضا تجربتهما وبهما يقين حازم بأن النصر حليف الحب وأنهما قد يفوزا بذاك المستحيل ويجمعهما الحب الذي ولد من بداية تجهل شكل النهاية. في تفاصيل قصة الحب تلك كتب القدر لهما نهاية دراماتيكية مؤثرة وبرهان على أننا لا نملك لا البدايات ولا النهايات، ذلك العشق المحفوف بالغضب والنفور والكراهية انهار، لأننا رغم أننا أبناء المستحيل لا نملك القدرة أحيانا على هزم ذاك المستحيل، رغم هذا عاشت قصة روميو وجولييت وخُلدت في ذاكرة الحياة، من خلدها ليس الحب وبداياته بل نهايته، تلك النهاية التي حدثت فعلا وبقيت رمزا خالدا للحب وشراسته في معاركه الوجودية. قصة روميو وجولييت كانت لتكون قصة عادية عابرة لا أحد يعلم بها لو لم تكتب لها تلك النهاية.
يرى البعض أن قصص الحب لا تعتبر قصصا للحب إن تزوج الحبيبان في نهايتها، بل هي لا تصبح قصة إلا أن افترقا. نعم أوافق بشدة على تلك النظرية، فلو تزوج روميو وجولييت كيف كانت لتكون حياتهما؟ هل تم وضع تصور ما لتفاصيل حياتهما الزوجية التي قد تكون حياة نمطية تحولهما من حالة الشغف إلى حالة العادة والمشاركة المكانية والزمانية وشاخا معا وقد اعترت حياتهما تفاصيل فيها من الغضب ومن العشرة ولعل فيها شيء من الندم. جمالية الأشياء لا تكون بوضع تصور لها بل بخرقها لكل منطق ولأي تصور لتفرض غرابتها على الجميع، هو نوع من العجز وعدم القدرة على التحكم بمسارات الحياة.
روميو وجولييت قصة خلدها الفراق والموت، ومثلها قصص كثيرة ربما لم تصلنا، تقوم تلك القصة على نقطتين أساسيتين لهما علاقة وطيدة بالبداية والنهاية، النقطة الأولى أن الحب قدر والنقطة الثانية أن النهاية القدر، لذا تمكن كاتب الرواية وليام شكسبير من تقديم حبكة إنسانية مؤثرة حولت تلك الشخوص إلى رموز في الحب والرومانسية.
كلنا نريد أن ينتصر الحب ولكننا في عالم متوحش ينصر الكراهية ويجد لها ألف مبرر، عملية تدميرية تقوم على تلك المشاعر السلبية، فرغم جمال الزهرة على غصنها لا يتوانى الإنسان عن قطفها مبررا ذلك بأنها وجدت لتسعده وتسعد من يحب وفق منطق سليم شكلا محزن مضمونا، ولكنه واقع موضوعي رتبته الحياة في وعينا، فوجدنا لكل موت سببه ولسجن العصفور في القفص ما يبرره، ولمحاربة الحب سلطنا سيف الكراهية فوق أعناق الطيبة، رغم توقنا للحب نقاتله ونستلذ بإيقاع الهزيمة فيه، نحن أبناء الحياة صناع الأحلام وقتلتها.