الخطوة الأولى نحو مشروع للأمن القومي العربي

عاطف الغمري –
الدول «دولية وإقليمية» تتعامل مع عالمنا العربي، على أساس أنه تجمع مترابط، وتدير هذه الدول سياستها وفق استراتيجية أمن قومي تعبر عن مصالحها، وتسعى في معظم الأحيان للتمدد بنفوذها إلى ما تسميه مناطق رخوة، بمعنى خلوها من استراتيجية تخصها لأمنها القومي.
وإذا كانت أبسط قواعد الدفاع في مواجهة هذه القوى الخارجية، هي امتلاك إستراتيجية، تنهي حالة الفراغ الاستراتيجي، وتتصدى لأطماع الآخرين الذين يتعاملون مع المنطقة حسب مبدأ – كلهم عرب، فإن بلوغ هذه المرحلة لا يتم بقفزة واحدة، عن طريق لقاء قيادات هذه الدول، وإنما تسبق ذلك خطوات مؤسسية تزودهم برؤية الواقع، وما وراءه، وبامتلاك أدوات القدرة الذاتية.
تلك هي نفس وسيلة بناء الاستراتيجيات التي أمسكت بمفاتيحها دول أسست استراتيجيتها للأمن القومي، في إطار رؤية عالمية للحركة خارج حدودها.
والإستراتيجية أساسا هي حصر الفرص والتحديات، وحشد الإمكانات والطاقات، واحتوائها في صلب مشروع وهدف، ثم وضعها في إطار خطة لها مسارات وخطط طويلة وقصيرة الأجل، وتنسيق وتكامل وتوحد، ثم إن الاستراتيجية طبقا لهذه الخطى، هي كيان حي له فعل ورد فعل، وحركة محسوبة، توفق نفسها مع ما هو قائم، وما هو محتمل، ومع ما يستجد سواء كان متوقعا أم طارئا، وفي النهاية فهي سياج آمن.
وتوضع لها خطوات عمل، وميزانية، وتوزيع أدوار، وتتحرك سياسيا، ودبلوماسيا، واقتصاديا، وإعلاميا، لتحريك موقف، ولحشد ضغوط.
ثم إن حركة هذا المشروع العربي، تحتاج بالضرورة أن يساندها رأي عام عربي، يتشكل نتيجة وعيه بجدية وجدوى هذا المشروع، وهو لا يتشكل كاندفاع حماسي أو عاطفي، بل كتعبير عن بلورة وجهة نظر قومية محسوبة عمليا، في زمن معين، وتحت ظروف بعينها.
إن المجتمعات العربية هي الآن في أشد الحاجة لإعادة نظر في مفهوم أمنها القومي، ليتأسس أولا على قاعدة متينة في الداخل، تأخذ بعين الاعتبار المكونات الداعية للأمن – اقتصادية، وسياسية، وثقافية، مضافا إليها المبادئ التقليدية المعروفة للأمن القومي، وواضعة في حساباتها أن المفاهيم التي استمرت طويلا للأمن القومي للآخرين، لم تعد ثابتة على نفس صورتها القديمة بل إن تغييرات أساسية قد طرأت عليها، بحيث إن هذه المفاهيم، قد استلهمت الكثير من التغيرات والتطورات التي لحقت بالعالم في السنوات الأخيرة، وعلى الأخص ثورة المعلومات، وإمكانات التكنولوجيا الحديثة.
وإن اقتحام أمن الدول الأخرى لم يعد يتم بنفس طريقة اقتحام حدودها الخارجية، بل باستخدام سبل متطورة تتجاوز الحدود، مما ينقل خط المواجهة إلى الداخل، وباستخدام عملاء ووكلاء محليين يضعون أنفسهم في خدمة أهداف ومصالح دول خارجية.
وإذا كانت قوى كبرى قد مارست في السنوات الماضية سياسات اللعب في المجال الاستراتيجي الداخلي الذي كانت تعتبره فراغا استراتيجيا، وما زالت تمسك في يدها خيط تحريك أحداث وأزمات، وهو ما نراه خاصة في سوريا وليبيا، فإن الدول الإقليمية غير العربية، قد وجدت هذا المجال الداخلي بصورته تلك، يتيح لها فرصا لتتصرف بما يخدم مصالحها هي، سواء منفردة، أو بتكاتف مع القوى الدولية الأخرى.

هذه هي المسارات التي تتعدد طرقها وأبعادها، واحدا تلو الآخر، إلى أن تؤسس لنفسها رؤية مكتملة وناضجة، وأهدافا محددة وواضحة، وخطوات عملية تكمل بعضها، في تناسق منظم، وفي النهاية تتكون استراتيجية الأمن القومي على أسس متينة، وليس على تصورات حماسية أو نظرية.