قمة مدريد للمناخ.. هل من حلول؟

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

منذ التوقيع على الاتفاقية الإطارية للمناخ في باريس والعالم يبحث عن حلول واقعية وقابلة للتطبيق لانتشال كوكب الأرض من مشكلات المناخ والاحتباس الحراري والانبعاثات التي تتزايد بشكل مطرد حيث وصلت تلك الانبعاثات الغازية إلى معدلات قياسية، كما شهد العالم خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا لدرجة الحرارة، كما ارتفعت درجة الحرارة في القطب الشمالي في فصل الشتاء وهناك التهديد المتواصل للشعب المرجانية والتلوث الذي وصل الى مراحل قياسية تهدد البيئة وصحة الإنسان في المدن ذات الكثافة السكانية العالية.
ومع تلك المشكلات المتفاقمة التي تهدد حياة البشر والبيئة المحيطة بدأت قمة المناخ في العاصمة الإسبانية مدريد وبمشاركة عالمية واسعة ومن ضمنها السلطنة والتي تعطي جانب البيئة ومشكلات المناخ أهمية كبيرة حيث تم تسليم جائزة السلطان قابوس المعظم للبيئة مؤخرا في باريس الى إحدى الهيئات في الهند لاهتمامها بقضايا البيئة ومن خلال اجتماعات اليونيسكو الأخيرة في باريس.
أن قمة مدريد للمناخ تنعقد في ظل تحديات حقيقية تواجه العالم ورغم اتفاق باريس للاحتباس الحراري والذي انسحبت منه واشنطن لا تزال هناك معوقات تحول دون تنفيذ عدد من البنود الأساسية ومنها إيجاد الآليات لتخفيض استخدام الكربون خاصة في أوروبا والدول الصناعية، كما أن الانبعاثات الغازية تواصل ارتفاعها وقد باتت الآثار السلبية لتغير المناخ مشاهدة في عدد من مناطق العالم.
ويرى عدد من الخبراء بأن الفرصة لا تزال قائمة لتخفيض الانبعاثات الغازية والكربون من خلال التحرك الجديد للدول خلال 12 عاما من ذالك التحرك الجاد وأيضا إيقاف المعدل العالمي لدرجة الحرارة علاوة على تطبيق اتفاق باريس وهو اتفاق يتحدث عن إطار سياسات رشيدة لكبح جماح التغير السريع في المشهد المناخي والذي يهدد الحياة على كوكب الأرض.
ومع تواصل الجهود لإيجاد حلول واقعيه فإن اقتصادات الدول الصناعية تقف حجر عثرة من إحراز تقدم حقيقي لمعالجة مشاكل المناخ والاحتباس الحراري ومن هنا فإن قمة مدريد لا يمكنها حل كافة المشاكل لأن الإرادة السياسية غائبة وهناك مصالح اقتصادية للدول الكبرى تحول دون المضي في تطبيق آليات اتفاق باريس، كما أن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس أوجد مشكلة كبيرة على اعتبار أن واشنطن من الدول المستخدمة لمكونات الكربون وتستهلك كمية كبيرة من الطاقة التي تفرز الانبعاثات كما هو الحال مع الصين والهند والبرازيل وغيرها من الدول ذات الكثافة السكانية وذات المعدل المرتفع في مجال التلوث.
وتناقش قمة مدريد للمناخ وعلى مدى أسبوعين جملة من القضايا الأساسية والتي تتعلق بسلامة الهواء والتصحر بعد مشكلة غابات الأمازون في البرازيل، إضافة الى الأخطار المحدقة من الانبعاثات الغازية والتي تعد المهدد الأساسي لطبقة الأوزون، كما أن هناك الأخطار التي تهدد البيئة والحياة الفطرية وانقراض الحيوانات النادرة
ولعل الإطار الأساسي لإيجاد حلول جذرية هي الاتفاقية الإطارية لاتفاق باريس الموقع من أكثر من مائة دولة ومن خلال البروتوكولات المختلفة لتلك الاتفاقية فإن الجهود الجماعية للدول والمنظمات لابد أن تتضافر لإيجاد حلول يكون بإمكانها المضي قدما في وقف التدهور المناخي والبيئي الذي يشهده العالم خلال العقد الأخير.
والأمم المتحدة لها دور كبير في استشعار ذلك الخطر من خلال ما أشار إليه الأمين العام حول ضرورة إيجاد حلول لمشكلات المناخ والمحافظة على البيئة والحياة الفطرية وهناك حالة من التصادم بين المصالح الاقتصادية للدول وبين الحلول التي تخفض من التدهور في مجال المناخ وتعطي فرصة حقيقية للاستدامة في مجال التنمية والهواء النقي وحل مشكلة التلوث والتي وصلت مستوى قياسي في عدد من المدن المكتظة بالسكان.
وقمة مدريد تجمع الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات العالمية والأفراد المهتمين بقضايا المناخ ولعل أحد الحلول المطروحة هو تطوير حلول من خلال الانتقال الى الطاقة المتجددة والنظيفة وهناك جهود متواصلة في هذا الإطار في عدد من الدول وأيضا إيجاد مدن مستدامة وأيضا الاهتمام بالرقعة الزراعية والحفاظ على الغابات والمحيطات وأيضا التكيف مع آثار المناخ وأيضا الحديث عن الاقتصاد الأخضر.
كل تلك الحلول يمكن تطبيقها مرحليا للحد من تدهور المناخ والبيئة خاصة الغابات والتي تتعرض للحرائق بشكل مستمر بفعل النشاط الاقتصادي والتعدي على البيئة.
وعلى ضوء تلك التحديات وعدد من الحلول سوف يواجه مؤتمر مدريد للمناخ نفس المشكلات التي واجهتها القمم المناخية السابقة وهي المواءمة بين طموحات الدول واندفاعها الاقتصادي ومصالحها وبين السلوك الرشيد في مجال الانبعاثات الكربونية والغازية والتي تساهم بشكل كبير في النتائج الكارثية للمناخ ومن هنا لابد من إيجاد مقاربة واقعية تحد من تدهور المناخ وهذا يفرض حلولا تم الحديث عن بعضها ومن خلال اتفاق باريس للاحتباس الحراري والذي رسم خطة زمنية يمكن من خلالها الحصول على نتائج إيجابية تنعكس على حياة الناس في كل مكان وتكون هناك بيئة نظيفة وغابات مزدهرة وتنوع بيئي متكامل يعطي التوازن المنشود.
في خضم تلك النقاشات والجدل في مدريد هو الحلول لإنقاذ كوكب الأرض من التهور التدريجي في مجالات المناخ والبيئة والتصحر والتلوث فإن ثمة عاملا مهما يلعب دورا حاسما في اتخاذ القرارات الملزمة للدول ومراقبتها من قبل الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة وهذا العامل يتمثل في الإرادة السياسية للدول فهناك دول تتحدث صراحة عن مصالحها الاقتصادية كما هو الحال مع الولايات المتحدة والتي انسحبت من اتفاق باريس. إذن الإرادة السياسية للدول وضغط المجتمع المدني هي عوامل يمكن أن تسهم في التقدم على سبيل اتخاذ الإجراءات والتي تساهم إيجابيا في مجال في وقف الانبعاثات الغازية أو الحد منها على الأقل من خلال النسب المتفق عليها عالميا. قمة مدريد لن تستطيع حل كل المشكلات ولكن على الأقل تبدأ الخطوات التنفيذية التي حددتها الاتفاقية الإطارية لاتفاق باريس وهي على فترات زمنية متوسطة وطويلة ولابد من عمل شيء ملموس خلال العقد القادم على الأقل ووقف التدهور الحالي في مجال الاحتباس الحراري أو تدهور الغابات وخطر ذلك على التوازن البيئي أو في مجال التلوث الهوائي واثر ذلك على صحة الإنسان.
وبدون تلك الإرادة السياسية والشعبية فإن العالم سوف يعاني الأمرّين في ظل الاندفاع الصناعي واستخدام الكربون والتي يأتي منها الانبعاثات بشكل كبير، كما أن المحيطات تواجه مشكلات ارتفاع الحرارة علاوة على الاستخدام غير الرشيد للمكونات الصناعية وفي مجال الطاقة غير النظيفة و أمام كل هذه التحديات سوف يواجه مؤتمر مدريد جملة من التحديات والتي سوف ترحل الى قمة قادمة، ومن هنا لابد ان تتخذ القمة بعض الخطوات التنفيذية على الأقل وكما يقال رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة وهذا هو الاتجاه الصحيح نحو القيام ببعض الخطوات التنفيذية لأن ذلك سوف يحفز الحكومات والمجتمعات والأفراد على إيجاد سلوكيات حضارية تحافظ على المكون البيئي وعلى الاستخدام الرشيد للطاقة النظيفة والمتجددة والتقليل من استخدام البلاستيك والذي يعد إحدى الأدوات الضارة بالصحة والبيئة. ومن خلال التجمع الكبير في قمة مدريد للمناخ فإن العالم ينتظر قرارات حاسمة تسهم في الحفاظ على كوكب الأرض والحد من الانبعاثات والمحافظة على البيئة من خلال إيجاد التوازن الأحيائي وعلى توازن علاقة الانسان بمحيطه والمحافظة على مكونات البيئة بشكل عام واستقرار المناخ.