الإرادة السياسية الدولية.. العنصر الغائب

فتحي مصطفى –

لا يزال تغير المناخ بسبب الاحتباس الحراري وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، يشكل تحديًا كبيرًا بل وخطيرًا، يؤرق قادة وشعوب العالم، سواء كانت دولاً صناعيةً كبرى، أو الدول النامية التي تحظى بالنصيب الأكبر من أضرار تلك الانبعاثات، في صور مختلفة تتعدى الجانب البيئي، ما بين جفاف، ومجاعات، وفيضانات، وربما تضرر اقتصادات أيضا.

ومن الممكن أن تغير خريطة العالم بأسره، بعد غرق بعض الدول جراء ارتفاع مناسيب البحار والمحيطات تأثرًا بارتفاع درجة حرارة الكوكب، ومن ثم ذوبان الثلوج وحدوث فيضانات متكررة ومدمرة مثل التي وقعت في بعض دول الأقاليم في آسيا على سبيل المثال، وإفريقيا وأمريكا، حيث أدت إلى تهجير أعداد من السكان تربو إلى الآلاف، فضلا عن الجفاف وحرائق الغابات وما يتبعها من آثار سلبية، وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة في تقرير لها.
ويرى خبراء أن ارتفاع درجة الحرارة بسبب الغازات الدفيئة والاحتباس الحراري، من شأنه أن يؤثر على قدرة الأطفال على التعلم وتلقي الدروس، وعلى إنتاجية العمالة أيضاً، حيث تكون الحالة المزاجية لديهم سيئة، فضلًا عن الأضرار الأخرى التي تتعرض لها الأراضي الزراعية، وهو ما ينعكس سلبًا على الحالة المعيشية بصورة عامة.
وحذر بحث أجراه فريق من العلماء الدوليين، من حدوث انخفاض حاد في الإنتاج الزراعي والبحري على مستوى العالم، بفعل التغيرات المناخية، وأن ذلك قد يتسبب في حدوث مجاعة كبيرة، قد تكون قاتلة على وجه الأرض على المدى البعيد.
وتعد الولايات المتحدة الأمريكية، إذا ما اتخذناها مثالًا ـ من أكبر الدول الصناعية على مستوى العالم، وهو ما يضعها في مقدمة الدول التي يشار إليها في التأثير السلبي على المناخ، نظرًا لاستمرارها في سلوكها الصناعي المتنامي، برغم أنها قد تتأثر بتلك الظروف لأنها تطل بسواحلها الكبيرة على البحر.
وأشار الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية إلى أن «أعباء فاتورة تغير المناخ لا تتراكم على الأجيال القادمة فحسب، بل يدفع ثمنها الباهظ الناس من صحتهم اليوم». وأضاف أن «حرص البلدان على تكريس الموارد اللازمة للتصدي لتغير المناخ وحماية الصحة اليوم وفي المستقبل هو ضرورة أخلاقية».
وأطلق بيتيري تالاس، الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تحذيرًا من أن العالم يتجه نحو ارتفاع درجات الحرارة لأكثر من 3 درجات مئوية في نهاية القرن الحالي، في ظل تأثيرات مضرة على الإنسان، إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة الآن، واصفًا أن العالم بعيد كل البعد عن تحقيق هدف اتفاقية باريس.
ودلل على ذلك بأن موجات الحرارة والفيضانات التي كانت تحدث مرة كل قرن، باتت ظواهر تحدث بصورة منتظمة تعاني منها بلدان من جميع أنحاء العالم، مثل اليابان وجزر البهاما وموزمبيق، وكذلك التأثيرات المدمرة للأعاصير المدارية واجتياح حرائق الغابات في القطب الشمالي وأستراليا، وأضاف: إن من الآثار الرئيسية لعملية تغير المناخ، هي هطول الأمطار بأنماط غير منتظمة تهدد المحاصيل وتطرح مع الزيادة السكانية تحديات أكبر في مجال الأمن الغذائي أمام البلدان الضعيفة في المستقبل.
ملفات مهمة وشائكة يجب أن توضع في الاعتبار ضمن المناقشات التي تجري للوصول إلى حلول لإنقاذ الكوكب من أضرار جسيمة على المدى البعيد، في مقدمتها الصناعات الثقيلة والطاقة والمدن المهددة، مع وضع حلول مكثفة وناجعة من شأنها أن تقوي من الاقتصاد العالمي، وتخلق فرص عمل جديدة، وتضخ هواءً نقيًا في الكرة الأرضية، وتحافظ على التنوع البيولوجي والموائل الطبيعية.
فمن الضروري خلق زخم كبير يعزز من الطموح الوطني، للإسراع في تنفيذ العمل المناخي حتى عام 2020 وما بعده، على النحو الذي قامت عليه اتفاقية باريس، إذ نصت على تكثيف الإجراءات وتسريعها، وتوفير الاستثمارات اللازمة لتحقيق مستقبل جديد مستدام بكربون منخفض، وبذل جهود طموحة لمكافحة التغيرات المناخية والتكيف مع آثارها، وتقديم الدعم والمساعدة للبلدان النامية لرسم مسار جديد في جهود المناخ على مستوى العالم، وكذلك تعزيز استجابة العالم واستشعاره لخطر تغير المناخ عبر الحفاظ على عدم ارتفاع درجات الحرارة في الأرض إلى أقل من درجتين مئويتين خلال هذا القرن، ومواصلة الجهود لخفض درجة الحرارة لتصل إلى 1.5 درجة مئوية.
ولتحقيق ذلك نجد أنه من الضروري العمل على خلق تحولات سريعة وبعيدة المدى في مجال الصناعة والطاقة بالاستعانة بالطاقة النظيفة، وهو ما ظهر أخيرًا في عدد غير قليل من المجالات الصناعية، التي من أبرزها تطوير السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية، واستخدام الطاقة الشمسية، كذلك عمليات النقل والمباني التي تجري على الأرض، بالإضافة إلى خفض الانبعاثات العالمية الصافية التي تنتج عن انبعاث ثاني أكسيد الكربون إلى 45٪ عن مستويات 2010 وذلك بحلول عام 2030، حتى تصل إلى «صفر» انبعاث بحلول عام 2050.
وبرغم الجهود التي تبذل من قبل جميع الدول المعنية بهذا الشأن، إلا أن ذلك كله ينقصه عنصر مهم جدًا ليضع الاتفاقات والمفاوضات في مسارها الصحيح والسليم نحو مناخ عالمي نظيف، ألا وهو «الإرادة السياسية»، فمن غير المعقول أن توقع دولة ما على الاتفاقيات والمعاهدات لحل أزمة المناخ، دون أن تبدأ بنفسها، وتطبق كل البنود المتفق عليها، وعلى الحكومات إلزام القطاعات المعنية داخل الدولة، باتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة جميع الأنشطة التي تُحدث التغيرات المناخية على الأرض، من خلال وضع تشريعات جادة وصارمة، تتخللها عقوبات رادعة تطبق على المخالفين من دون مواربة، مثلما يحدث مع بعض الدول التي تلتزم بصورة كاملة ببنود الاتفاقيات.
وهو ما طالب به أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الإسبانية مدريد عشية انعقاد المؤتمر في العاصمة الإسبانية «مدريد»، إذ أكد بضرورة وجود «الإرادة السياسية» لفرض ضريبة على الكربون، ووقف الدعم عن الوقود الأحفوري، ووقف بناء محطات توليد الطاقة باستخدام الفحم ابتداء من عام 2020، ولتحويل الضرائب من مداخيل الناس، إلى التلوث الذي ينتج عن الكربون.
ووصف الموقف العالمي تجاه مشكلة المناخ، وعدم الالتزام الصارم للاتفاقيات، بالوقوف داخل الحفرة العميقة التي لا نزال نحفر فيها، حتى تصبح في وقت قريب أكثر عمقًا بصورة لن يكون باستطاعتنا الهرب منها، وهو ما يجعله يواصل الضغط لإبقاء مسألة المناخ على رأس جدول الأعمال الدولي.
وأخيرًا فإن ثمة ضرورةً تطرح نفسها وهي تعظيم المسئولية الشخصية لدى الأفراد والشعوب، ولكل من يرى في نشاطه التصنيعي أو التجاري ما يفسد أو يساعد في تفاقم مشكلة المناخ، وهو ما يقودنا إلى ضرورة إطلاق حملات تثقيفية للتعريف بأهمية خفض درجة حرارة الأرض وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، التي قد تؤثر عليهم في يوم ما وقد تعصف بمكتسباتهم عبر سنوات مضت.