«كوب 25».. هل ينقذ الكرة الأرضية؟

إميل أمين –

افتتحت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي في العاصمة الأسبانية مدريد أعمال قمة المناخ التي أطلق عليها «كوب 25»، والتي تستمر لأسبوعين، حيث يواجه زعماء العالم ضغوطًا متنامية لإثبات أن باستطاعتهم حشد الإرادة السياسية لتفادي أسوأ العواقب الكارثية لإشكالية التغيرات المناخية. يعن لنا هنا أن نتساءل: هل اتسع الخرق على الراتق كما يقال، أم أن هناك مجالًا متسعًا لاستنقاذ كوكب الأرض من المصير المحتوم الذي ينتظره؟

الشاهد أن كافة المؤتمرات الأممية السابقة بشأن التغيرات المناخية لم تصل إلى نتيجة معينة ناجزة أو فاعلة في هذا الإطار، وقد كان الهدف المنشود هو تقليل درجة حرارة الكرة الأرضية درجتين عما هو كائن الآن، بهدف أكبر هو تخفيض حالة الاحتباس الحراري التي تعاني منها الكرة الأرضية، تلك التي تجعل من عالمنا هذا وكأنه خبيئة أو دفيئة بمعنى احتجازه لغاز ثاني أكسيد الكربون، السبب الرئيسي وراء ارتفاع حرارة الأرض، ومن وراءه تبقى كافة علامات الانهيار البيئي مثل ذوبان الثلوج، وحدوث التسونامي، وغمر البر لصالح البحر، وتصحر الأراضي، وما يستتبع ذلك من ظواهر ومظاهر إنسانية مخيفة كالهجرة غير النظامية، والحروب من أجل الموارد الطبيعية لا سيما المياه.
جاءت القمة الأممية الأخيرة في مدريد بمشاركة أكثر من خمسين زعيمًا، ويتولى رئاستها وزيرة البيئة في تشيلي، «كارولينا شميت»، وعلى أبواب اللقاء الكبير تحدث الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو جوتيريش» بالقول: «إن البشرية تعاني من عواقب تغير المناخ، وأنه يجب أن تختار بين الأمل في العيش في عالم أفضل من خلال التحرك، أو الاستسلام».
وأضاف بلهجة تحذيرية «هل حقا يصفنا التاريخ بأننا الجيل الذي حذا حذو النعامة، الذي كان يتنزه فيما العالم يحترق؟».
جاءت رئيسة المؤتمر التشيلية من منطقة أمريكا اللاتينية تلك التي سببت وتسبب للعالم انزعاجًا كبيرًا في الأشهر القليلة الماضية لا سيما بعد اشتعال النيران في غابات الأمازون تلك التي وصفها البعض بأنها رئة العالم، وأنها تنتج نحو ربع الأكسجين اللازم للكرة الأرضية.
تقول رئيسة المؤتمر: «نحن في تشيلي والعالم نشهد أزمات اجتماعية وبيئية، ومن أجل مواجهتها يجب علينا أن نعود إلى جذورنا، يجب أن نصغي إلى بعضنا البعض لتعزيز الثقة ومد جسور الحوار المؤسس على الرغبة في التغيير.
نحن إذن أمام سؤال مركب ما الأخطار التي تتعرض لها الكرة الأرضية؟ وهل لدى المجتمعين في مدريد إرادة حقيقية لاستنقاذ الأرض؟»
باختصار غير مخل يمكن القول: إن المباحثات بين ممثلي الدول حول كيفية إيجاد نظم تبادل انبعاثات دولي فعال وتعويض الدول الفقيرة عن الأضرار والخسائر التي تلحق بها بسبب التغيرات المناخية هو الهدف الأول والرئيس. هنا كان أمين العام للأمم المتحدة يحذر من أن التخفيضات التي تم الاتفاق عليها حتى الآن وفقا لاتفاقية باريس 2015 غير كافية للحد من ارتفاع درجات الحرارة لتخفيض الحرارة بواقع 2 درجة مئوية أعلى من مستويات ما قبل الصناعة. يصف الأمين العام للأمم المتحدة المشهد الآني بأنه «حرب بشرية ضد كوكب الأرض تدور منذ عقود عديدة، ولأن لكل فعل ردة فعل، فإن كوكب الأرض الآن بدأ بدوره يقاتل الإنسان». غير أن واقع الحال الأممي قبل انعقاد المؤتمر لا يبشر بنتائج جيدة، وهناك على الأرض العديد من المشاهد التي تبين انه لا توجد إرادة سياسية قادرة على تخليص الأرض من المصير المنتظر القادم لا محالة إن سارت فيه على هذا النحو… لماذا؟ وكيف؟
باختصار غير مخل يبقى الجشع الإنساني هو السبب الرئيس في هذا الإطار، وعلى غير المصدق أن يتساءل عمن كان وراء حرائق الغابات التي حدثت في غابات الأمازون، وهناك من يؤكد وجود أياد بشرية وراءها من أجل إفساح مساحات واسعة لمربي المواشي ولإيجاد أراض ومراع فسيحة لهم، ما يخدم صناعة اللحوم بشكل كبير، تلك التي تبرع فيها دول المنطقة، عطفا على استخدام الأخشاب لأغراض صناعية، وهو ما اتفق عليه المراقبون بأجمعهم بالنسبة لما جرى هناك.
يثبت ذلك أنه لا يوجد توجه حقيقي لتخفيف الضغوطات على الكوكب الأزرق، ما يعني أيضًا أن المستقبل غير مبشر، وأن المزيد من الحرائق غير المتعمدة يمكن أن تحدث بسبب الجفاف وارتفاع حرارة الكرة الأرضية.
على هامش قمة مدريد للمناخ، كانت رئيسة الوفد الأمريكي للقمة «نانسي بيلوسي» رئيس مجلس النواب، تصرح بضرورة معالجة أزمة المناخ انطلاقا من مراعاة «العدالة الاقتصادية والبيئية للجميع»، وأضافت «نعتقد جميعا أننا نتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال القادمة لجعل هذا الكوكب أفضل ما يمكن له أن يكون».
هذا الكلام من بيلوسي جيد وجميل، لكن السؤال المحوري والجوهري، هل هذا هو موقف إدارة الرئيس ترامب أم الأمر على العكس من ذلك؟
يمكن القطع بأن بيلوسي، تمضي في اتجاه آخر مغاير لتيار الرئيس ترامب، الرجل الذي يناصب أحوال المناخ العداء الكبير، والذي قام بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ بمجرد دخوله البيت الأبيض، وهو الأمر الذي يتسق مع تصريحاته السابقة أثناء ترشحه لولاية رئاسية أولى.
يرى الرئيس ترامب أن اتفاق باريس للمناخ مجحف بالنسبة لبلاده، حيث إنه يضع على كاهل أمريكا قيودًا وضغوطًا تقلل من فرض تنافسيتها مع الصين، وبالتالي تزخم انطلاقة الصين على حساب أمريكا.
وبلغة أخرى يمكن القول إن شغل ترامب الشاغل هو تحقيق أكبر قدر من المكاسب الصناعية على حساب البيئة، فلا يهم العودة إلى استخدام الكربون والفحم من جديد، مهما كانت الآثار الجانبية لهذا الاستخدام، ومعروف أن هذا النوع من الطاقة يسبب أكبر أضرار للكرة الأرضية، لكن ترامب غير منشغل بهذا، إن صراعه الرئيس مع الصين التي تحاربه عبر منتجاتها الرخيصة حول العالم، ومن اجل الردع النقدي وليس الردع النووي، لذا فانه يعود إلى استخدام أي شكل من أشكال الطاقة وبدون أدنى اكتراث لأحوال كوكب الأرض.
هل بات الأوروبيون أكثر شعوب العالم اهتماما بأزمة الكرة الأرضية؟
أغلب الظن أن ذلك كذلك بالفعل، إذ ناقش البرلمان الأوروبي قبل أسبوع من انعقاد مؤتمر المناخ، إعلان حالة الطوارئ المناخية، وأوضح النواب الأوروبيون الذين قدموا الاقتراح، إن الهدف منه زيادة الضغط على القادة الجدد للمفوضية الأوروبية الذين سيتولون مناصبهم اعتبارًا من الأول من شهر ديسمبر الجاري.
لفت المشرعون الأوروبيون إلى أنهم يسعون إلى تمرير الإعلان الرمزي، خلال مداولات مؤتمر قمة المناخ، ويعد رئيس لجنة البيئة في البرلمان الأوروبي «باسكال كانفين»، أحد النواب الذين يقفون وراء الاقتراح المذكور ويشير إلى أنه إعلان رمزي، ومع ذلك فانه إذا لم يتم التصويت عليه، فإن هذه الرمزية ستتحول إلى أمر مريع.
هل الأرض تواجه خطرًا بيئيًا حقيقيًا قولًا وفعلًا؟
الشاهد أنه قبل انعقاد مؤتمر مدريد بأسبوعين وقع 11 ألف عالم وباحث في تخصصات مختلفة من شتى بلدان العالم على تقرير أكدوا فيه أن الأرض تواجه حالة طوارئ مناخية واضحة، وأن التحضيرات بدأت منذ قمة «ريو دي جانيرو» في البرازيل عام 1992، وفي بروتوكول «كيوتو» في اليابان لعام 1997، وأخيرًا في اتفاق باريس لعام 2015، رجوعًا إلى عام 1979 حين عقد أول مؤتمر عالمي للمناخ في سويسرا وقتها، حيث اتفق العلماء ساعتها على أن الاتجاهات المقلقة في تغير المناخ تملي اتخاذ إجراءات عاجلة، ومنذ ذلك الحين بدأت تتوالى التحذيرات من خطورة التغير المناخي، وذلك عبر المؤتمرات العالمية التي عقدت لحماية لمناخ.
السؤال هنا ومن جديد: ماذا يعني أنه بعد أربعة عقود من مؤتمر سويسرا، تتفاقم أحوال المناخ، دون أن يرتدع قادة العالم ؟
الجواب الشافي الوافي هو أنه ليس هناك إرادة سياسية ناجزة أو فاعلة في طريق تصحيح المسار وإنما صراع وتكالب على النجاحات الاقتصادية قصيرة النظر التي تخلف وراءها كوكبًا مهجورًا، وبشرية مسحوقة، وتراثًا إنسانيًا قد لا يستمر طويلًا مع تزايد الكوارث الناجمة عن هذا التغير غير المسبوق في تاريخ الإنسانية.
هل هناك بعد فرصة ما للتخفيف من الأضرار القدمة لا محالة؟ يرى الأمين العام للأمم المتحدة جوتيريش انه لابد من إجراءات سريعة وطارئة لتحرك القادة السياسيين وأنه خلال الـ12 شهرًا المقبلة يتعين علينا أن نحقق المزيد من الالتزامات الوطنية، خاصة من قبل أكبر الدول المسببة للاحتباس الحراري، في إشارة لا تخطئها العين للولايات المتحدة الأمريكية والصين، وذلك حتى نشرع فورًا في تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة، بوتيرة تسمح لنا بالوصول إلى الصفر بحلول عام 2050.
على البشرية فعل الكثير إن أرادت النجاة، واعتبار الكرة الأرضية سفينة نوح الجديدة لإنقاذ بقية السكان على الكوكب الأزرق، وفي المقدمة من تلك الإجراءات التوقف عن الحفر والتنقيب، واستغلال الفص المتاحة في الطاقات المتجددة والحلول البيئية المتوفرة.
العالم في حاجة ماسة إلى اقتصادات صديقة للبيئة وغير مهلكة لها، اقتصادات بيئية قادرة على توفير فرص عمل، لكن في ظل هواء نظيف، وتنوع بيولوجي بديع، ولعله من حسن الطالع أن هناك تكنولوجيات حديثة وحلول مبتكرة للاستفادة من هدايا الطبيعة المجانية كالرياح ومياه المحيطات والشمس، وجميعها قادرة بدرجة أو بأخرى تخفيف الضغوطات عن كوكب الأرض، وتحقيق المعادلة اليوتوبية: «طاقة نظيفة وبيئة خلاقة».
هل من بديل آخر حال عدم الاستجابة السريعة للتحذيرات العلمية من تغير المناخ العالمي؟
على القارئ العودة إلي ما يعرف بتقرير البنتاجون عن عام 2050، فقد استشرفت وزارة الدفاع الأمريكية الحال على كوكب الأرض إذا استمرت ظاهرة الاحتباس الحراري على هذا النحو، وفي عبارات تثير الخوف والهلع يجيئ التقرير ليحذر من حروب وأوبئة ومجاعات فتاكة، كفيلة بان تقضي على الأرض ومن فيها، هذا إن لم يبادر سكان كواكب أخرى محيطة بنا إلى مهاجمة كوكب الأرض كما تبين بعض أفلام الخيال العلمي…
ترى هل يرتدع البشر؟