الأصمعي المزيّف

غادة الأحمد –

روي أن الأصمعي قضى شطرا من عمره يجمع أصمعياته وبذل في جمعها الزمن الطويل والجهد الحثيث.
وكذلك فعل أبو تمام والبحتري والشجري في حماساتهم.. وقد توفر لهؤلاء «الاختياريين القدامى» العلم الغزير في مجالات شتى (اللغة والنحو والأدب) وتوفرت الذائقة الجمالية والخبرة الفنية والحافظة النشطة، وصارت الاختيارات جزءا من مهنتهم التي امتهنوها نقادا وشعراء وكتابا.. فوصلنا من اختياراتهم ما تعد جواهر لا تفقد بريقها ولا قيمتها العلمية أو الأدبية مهما تقادم العهد بها.
ولعل كتب الاختيارات كانت أقرب إلى الإبداع عندهم منها إلى الجمع، فقد عانوا معاناة شديدة في جمع مادتها وتنقيحها وفرزها وردّ منحولها وتصويبها لغويا ونحويا وعروضيا، وشرحها وتفسير معانيها.
ولا نبالغ إذا قلنا إنهم جاهدوا من أجلها فقد سافروا وجابوا البلاد ولاقوا الصعاب.
أما اليوم، فالوضع اختلف مع وجود «الشبكة العنكبوتية» التي تتوفر للجميع، فصار أمر التأليف على وجه العموم وتأليف كتب «الاختياريات» على وجه الخصوص سهلا، وذلك لتوفر المادة الأساسية حول أي موضوع أو عن أي مبدع بغض النظر عن توفر شروط التأليف القديمة ذاتها كالحافظة الجيدة والذائقة الجمالية، والخبرة المهنية والاختصاص.
فلم يعد لمهنة التأليف هذه تقاليد تذكر فكل من هبّ ودبّ بإمكانه أن يكون «مؤلفاً» بغض النظر عن عمره أو مجال اختصاصه، وهنا يتساوى البقال والحلاق والطبيب والمهندس والشاعر والكاتب والناقد والعسكري في هذه الصفة صفة مؤلف.. شرط معرفة الجميع لفنون استخدام «الكمبيوتر والنت».
ويبقى السؤال قائما كيف نعامل اليوم «الاختياريين الجُدد» الذين يستسهلون عملية إنتاج الكتب، فيتحولون بين ليلة وضحاها من النكرة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى النجومية (الشهرة) ويصبح أي مستخدم لشبكة الإنترنت مؤلفا بزمن قياسي لا يستوعبه العقل! يفوق تصورنا نحن وتصور أجدادنا. فدقائق وساعات كفيلة بصنع «كاتب» من هذا الطراز.
هل تستطيع اتحادات والأدباء والكتاب منحهم صفة «كاتب»؟ ولو حدث، كيف تتسع هذه المؤسسات لآلاف بل لملايين من المؤلفين على شاكلة هؤلاء تفرخّهم الشبكة يوميا؟
وهل من الحق أن يعتلي اسم هذا المؤلف كتب الاختيارات يزاحم به اسم مبدعه ؟!!.
ولو دققنا في الإنتاج الطباعي لمؤسسات وهيئات ووزارات تعمل في المجال الثقافي وتطبع مثل هذه الكتب لتساءلنا عن جدوى مثل هذه المطبوعات. في ضوء توفر الأصل..؟ لقد وصلت الجرأة ببعضهم أن يختار من إبداع مشاهير غادرونا توّا كنزار قباني ومحمود درويش ليس هذا فقط بل أن يؤلف كتب مختارات لأحياء على اختلاف مجالات إبداعهم…
وهنا ننبه إلى أن الأكثر جدوى طباعة أعمالهم بطبعات شعبية، فإبداعاتهم من حقهم، وهم أحق باختيار ما يشاؤون من دون أن يشاركهم هذا الحق أناس آخرون.
ثم ما جدوى جمع مقالات منشورة أصلاً في دوريات عالمية أو عربية أو محلية حول أحد المبدعين طالما أنها نشرت ووضعت في متناول الجميع وهي محفوظة.
إذاً فليُساءل «الاختياريون الجدد»: ما الهدف من استنساخ إبداعات الآخرين غير السطو على حقوق المبدعين والتسلق على أكتافهم لنيل الشهرة.
فلو قمت بصناعة كتاب من كتب الاختيارات مثلا «مختارات من شعر محمود درويش» فالمادة متوفرة طباعة ونشرا إلكترونيا في أكثر من موقع، ووفق «مبدأ الاحتمالات» المعروف في الرياضيات فإنني خلال ساعات قليلة أستطيع تأليف عشرات الكتب على شاكلة كتب الاختيارات وكل مستخدم للشبكة الإنترنت بإمكانه صنع ذلك.
فارحمونا وارحموا المبدعين أحياءً وأمواتا.