الإبحار الشراعي ودلالة الأمجاد التاريخية

في عام 2011 استحدثت بناء على الأوامر السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – جائزة السلطان قابوس للإبحار الشراعي، التي تشرف عليها وزارة الدفاع ممثلة في البحرية السلطانية العمانية، بالتعاون مع الجمعية الدولية للتدريب على الإبحار الشراعي.
دشنت الجائزة وقتذاك في مدينة ستافنجر بمملكة النرويج في يوليو من عام ٢٠١١م، لتشكل علامة مميزة في التشجيع على العمل في مجال الإبحار الشراعي والتدريب فيه، ورفع المستوى بما يعزز التجارب والخبرات في هذا الإطار على مستوى العالم.
ولا يحتاج أي مدرك للتاريخ العماني إلى التذكير بتاريخ السلطنة المرتبط لحد كبير بالبحر في إطار الرحلات البحرية التي تجوب البحار والمحيطات، التي كان العمانيون أبطالها وهم يرسمون عبر هذا المسار العلاقات التجارية والأخوية مع الدول والشعوب، حتى أن العمانيين وصلوا مبكراً إلى سواحل الصين وأمريكا قبل شعوب أخرى وكان لهم قصب السبق الجلي في هذا المسار.
لهذا فإن الاحتفاء بالبحار والإبحار الشراعي، يعني بدرجة ما تذكير بذلك التاريخ العتيق وفي اللحظة نفسها يحمل طابع الاحتفاء بالزمن الراهن والمعاصر في سيرة وتجربة النهضة العمانية الحديثة، عندما استطاعت السلطنة أن تبني قوة بحرية مدربة ممثلة في البحرية السلطانية العمانية، كذلك حرص السلطنة على ترسيخ القيم المتوارثة من السلام والإخاء وتحويل فكرة العلاقة مع البحر وثقافته إلى رمز للأخوة والمحبة مع كافة شعوب العالم.
فنحن أمام تقابل رائع بين زمنين في التاريخ واللحظة الحديثة، عندما تتجلى صورة الزمن القديم والإرث كرمز للأمجاد والجذور، الذي ترتفع لتخرج منها شجرة اليوم، بكل ما يحمل من المنجزات في المجال البحري وغيرها من الإنجازات في مشوار التطوير والتحديث في الدولة العمانية المعاصرة.
اليوم يمكن القول دون مبالغة أن جائزة السلطان قابوس للإبحار الشراعي باتت من أرقى الجوائز في مجالها على مستوى العالم، إذ ينظر إليها المهتمون باهتمام كبير وهم ينتظرونها بشغف بالغ، بحيث تتشكل من خلالها معرفة بمدى التطور في مجال التدريب والتأهيل للخبرات البحرية في الإبحار الشراعي.
الجائزة التي تم تسليمها بمدينة انتويرب البلجيكية هي النسخة التاسعة في مسار هذه الجائزة المحترمة والكبيرة، وحيث رعى الاحتفال سعادة سفير السلطنة المعتمد لدى مملكة بلجيكا وممثلها لدى الاتحاد الأوروبي، وفازت بها لهذا العام السفينة الشراعية البلجيكية «رووبل» لصاحبها «جان فاندنبورن»، وسبب الفوز بحسب المعلن «نظير أعماله التطوعية في خدمة الإبحار الشراعي»، وقد جاءت مراسم تسليم الجائزة في الحفل الختامي للمؤتمر السنوي للإبحار الشراعي الذي تنظمه الجمعية الدولية للتدريب على الإبحار الشراعي.
إننا أمام واحد من الإنجازات المستمرة التي ترسم أفق عمان على المدى العالمي، في العديد من الإضافات الملموسة في هذا الإطار، ومنها أيضا جائزة السلطان قابوس لصون البيئة التي تمنحها اليونسكو، وقد تم توزيعها مؤخراً وفازت بها مؤسسة هندية، كل ذلك يساهم في مشروع السلام والإخاء الإنساني وعلاقة عمان مع الشعوب والأمم القائمة على الاحترام والإخاء.