اضمحلال نفوذ أوبك

ترجمة قاسم مكي- الإيكونومست –

يعيش أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك حالة من التوقع غير المريح. فالقلق بشأن التغير المناخي قد يعني تناقص الطلب على النفط في العقود القادمة. إن قوة أوبك في أسواق النفط تتلاشى بسرعة. ففي 13 نوفمبر توقعت وكالة الطاقة الدولية أن المنظمة وحليفتها روسيا ستضخان 47% فقط من نفط العالم بحلول عام 2030.
إلى ذلك تواجه أوبك مشكلة أكثر راهنية. فالطلب العالمي على النفط،على غير المتوقع، هزيل هذا العام. فشركة سانفورد بيرنستاين للأبحاث تقدر أنه ربما ارتفع بنسبة 0.8% فقط. وهذا أبطأ معدل نمو يشهده الطلب منذ الأزمة المالية العالمية (2008).
وقد اجتمعت أوبك وحلفاؤها بقيادة روسيا في فيينا يومي 5 و 6 ديسمبر وأعلنوا عن خطة جديدة لدعم سعر النفط تتمثل في خفض الإنتاج بنصف مليون برميل إضافي ليصل الخفض إلى 1.7 مليون برميل يوميا في الربع الأول من العام المقبل.
أول سؤال ينبغي طرحه في هذا الصدد هو: هل سيلتزموا بهذه الخطة؟
من الناحية الفنية توجد سلفا خطة قيد التنفيذ. ففي ديسمبر 2018 أعلن تحالف أوبك الموسع عن خفض في الإنتاج بحوالي 1.2 مليون برميل في اليوم بهدف رفع سعر النفط. وتم تمديد ذلك الاتفاق إلى مارس 2020. لكن أعضاء عديدين في أوبك بما في ذلك العراق ونيجيريا ضخوا في مرات كثيرة نفطا أكثر من المسموح به بموجب اتفاق العام الماضي.
لقد كان من المفترض أن تساعد روسيا أوبك في الانتقال إلى حقبة جديدة. لكنها وافقت على خفض الإنتاج انطلاقا من نقطة بداية (أو كمية إنتاج) مرتفعة على نحو غير عادي. بل فاق حجم إنتاجها هذا العام حصتها المقررة.
يقول آرون برادي من شركة البيانات والأبحاث آي إتش إس ماركِت: إن صناعة النفط في روسيا «تضيق ذرعا في الواقع من هذه التخفيضات». والنتيجة هي أن متوسط الإنتاج اليومي لروسيا هذا العام حتى الآن، وبعد اتفاق أوبك على خفض الإنتاج، أعلى من متوسطه في العام الماضي قبل عقد الاتفاق. أما السعودية فقد عدلت إنتاجها حسبما اتفق عليه. ففي يوليو وأغسطس مثلا خفضت المملكة إنتاجها بأكثر من ضعف الكمية المقررة بموجب اتفاق العام الماضي.
لكن اتضح أن مثل هذه التخفيضات غير كافية لرفع أسعار النفط. ظاهريا، يجب أن تنجح في ذلك. فقد ضيقت العقوبات الأمريكية الخناق على الصادرات النفطية من فنزويلا وإيران اللتين تملكان، على التوالي، أكبر ورابع أكبر احتياطي نفطي في العالم. كما تم الاستيلاء على ناقلات في الخليج. والعراق، ثاني أكبر منتج في أوبك، يُخشَى أن تجتاحه الاحتجاجات. وماهو لافت أكثر من ذلك أن حادثة سبتمبر أوقفت ضخ ما يزيد عن نصف الإنتاج في السعودية. وكانت الخسارة التي نجمت عنها أكبر من تلك التي تسببت فيها الثورة الإيرانية عام 1979 أو غزو العراق للكويت في 1990.
لكن أسواق النفط لم تحفل بذلك كله. يقول فاتح بيرول رئيس وكالة الطاقة الدولية أن مثل هذه التوترات كانت في الماضي «ترفع أسعار النفط». لكن سعر نفط برنت تراجع من 75 دولارا تقريبا في أبريل إلى حوالى 60 دولارا اليوم.
أحد أسباب ذلك أن منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة واصلوا ضخ المزيد من النفط. وكان الإنتاج الأمريكي اليومي في سبتمبر أعلى بنسبة 12% من متوسطه في العام الماضي.
سبب آخر أيضا وهو تباطؤ النمو الاقتصادي مع انخفاض الطلب ليس فقط في اليابان ولكن أيضا في الهند وجنوب شرق آسيا حيث كان من المتوقع أن يرتفع بشدة.
قد يصعد مؤشر النمو الاقتصادي قليلا إلى أعلى في العام القادم. كما يضغط المستثمرون على شركات النفط الصخري الأمريكي للتقليل من الإنفاق وتعزيز الأرباح. وهذا من شأنه أن يجعل الإنتاج أكثر تراخيا ويعين بالتالي على رفع الأسعار.
لكن يبدو أن الإمدادات من مناطق أخرى ستدفع بالأسعار إلى الاتجاه المعاكس (تؤدي إلى انخفاضها). لقد انتهت محاولة البرازيل هذا الشهر طرح رخص حقول بحرية جديدة في المزاد إلى الفشل. فالشركات العملاقة من شاكلة موبيل إكسون وبريتش بتروليوم امتنعت عن تقديم عطاءات. لكن الاستثمارات التي سبق أن ضختها البرازيل في الحقول البحرية تعني أن إنتاجها بحلول عام 2021 ربما سيكون أعلى بنسبة 18% من مستواه في هذا العام، بحسب شركة آي إتش إس ماركِت.
كما ستشهد النرويج أيضا زيادة في إنتاجها. فرغم إعلانها في أكتوبر أن صندوق ثروتها السيادي سيبيع موجوداته في شركات استكشاف وإنتاج النفط، من المتوقع أن تزيد هي نفسها إنتاجها بقدر لافت في الأعوام القادمة. وذكرت شركتها العملاقة إيكوينور المملوكة للدولة في أكتوبر أن (يوهان سفيردرَب) وهو حقل نفط عملاق جديد بدأ الإنتاج.
من جهتها، تخطط شركة أرامكو السعودية لإدراج بعض أسهمها في البورصة في منتصف ديسمبر وإن أي إتفاق على خفض كبير في إنتاج المملكة سيقلل من تقدير حجم عائدات أرامكو. وهذا بدوره سيضغط على تقييمها (يقلل من قيمة أسهمها)، حسبما يقول نيل بيفيريدج بشركة بيرنستاين. ومن جهة أخرى يرى بيفيريدج أن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لأرامكو هو المضي قدما في إدراج أسهمها وانهيار سعر النفط.
لقد كان هذا العام دراميا بالنسبة لأسواق النفط.
وربما سيأتي شهر ديسمبر القادم بالمزيد من الانعطافات في مسيرة النفط.