أستطيع أن أرى بوضوح الآن

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

وضعت كتاب واين داير الذي يحمل ذات العنوان الذي استعرت لهذه المقالة جانبا ودخلت في تأمل مطول حول موضوع الكتاب الذي يدور حول الألطاف الربانية التي تدير حياتنا بدون أن نشعر، وكما فعل داير استعرضت خلال تلك الجلسة أحداث حياتي منذ أن كنت طفلة، حتى تلك اللحظة مع كل التحولات المذهلة في حياتي، من طفلة بدوية تعيش في قلب الصحراء العمانية في الستينات، حياة بدائية للغاية بدون أي أمل في أن يخرج مصيري عن مصير الجدات والأمهات، شيئا ما بداخلي كان يقول لي بأن مصيري سيكون حتما مختلفا، حتى حقق لي والدي هذه الرؤيا بعد عودته للبلاد مطلعا على عوالم أوسع لم يستطع أن يقنع بوجودها أحد ممن حوله، لكنني صدقت، وآمنت بأن شيئا مختلفا ينتظرني، وعندما أشار إلى الممرضة الكندية في ذلك المستشفى التبشيري الوحيد وهي تخضعني لفحوصات ما قبل المدرسة، مبشرا بأنني يوما ما سأكون مثلها، صدقت.
منذ تلك اللحظة تحولت حياتي إلى معجزات شبه يومية، وكما يقول واين داير، استطيع أن أرى بوضوح الآن، بأن كل ما حدث، حدث ليهيئني لما أنا عليه اليوم، كل إنسان عبر طريقي إنما أرسل معلما يعطيني درسا كنت أحتاجه في تلك اللحظة بالذات، حتى أولئك الذين ظنوا بأنهم يؤذونني أو يتآمرون علي، إنما كانوا في الواقع ينفذون إرادة الله في أن أكون أنا اليوم.
كل انحراف عن الطريق الذي رسمته لنفسي أستطيع أن أرى بوضوح الآن، إنما كان ليرشدني للمسار الذي رسمه اللطيف الخبير لي، والذي لا يشبه أبدا ذلك المسار الذي رسمته لنفسي، لكنه حتما أجمل.
فعلى سبيل المثال، رفضت بكل شدة وإصرار أن أسلك سلك التدريس الذي كان الوحيد المتاح لبنات جيلي، والمسموح به آنذاك فقط لأكتشف بأن قدري كان دوما أن أكون معلمة من نوع آخر، لتلاميذ موزعين على أنحاء المعمورة، أعرف بعضهم وأجهل أكثرهم، التقيت بالبعض وربما لن يتاح لي الالتقاء أبدا بالغالبية، كل يوم تصل لي رسالة على شكل تعليق على مقال، أو محاضرة ألقيت أمام العامة تذكرني بهذه الألطاف الخفية التي كانت وما زالت ترشدني.
بدون أن نشعر نحن ننفذ مشيئته سبحانه، سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك، آمنا أم لم نؤمن، بغض النظر عن الاسم الذي نطلق عليه سبحانه، وبأي طريقة شئنا أن نتعرف عليه، تبقى مشيئته فوق كل شيء، تباركت ربي وتعاليت.