نوافذ: سر حب العمانيين لسلطانهم

عاصم الشيدي –
assemcom@hotmail.com –

خلال الأيام الماضية سألني أكثر من صديق عربي وغربي عن سر حب العمانيين لجلالة السلطان قابوس بن سعيد-حفظه الله ورعاه- الذي يفوق، من وجهة نظرهم، توقعات أي مراقب للشأن العربي خاصة في السنوات الأخيرة التي شهد العالم العربي فيها الكثير من التغيرات. وكيف يمكن تفسير هذا الحب وما هو منطلقه والركيزة التي يستقيم عليها.
كان هؤلاء الأصدقاء قد التقوا بعمانيين طوال سنوات ماضية وعاشوا تفاصيل أكثر عن عُمان من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو سمعوا حديثا من عمانيين عبر هذه الوسائط الحديثة ووجدوا أن العلاقة بين العمانيين وبين سلطانهم مختلفة تماما عن أي علاقة قائمة بين «قائد» و«شعب» في العالم اليوم ولذلك يبحثون عن تفسير له من خلال استقراء الداخل.. فهي علاقة كما تحدث أحدهم: «لا تقوم لا مبدأ «حاكم» و«رعية» أو «شيخ» و«أفراد قبيلة» وفق السياق العربي، كما أنها أكبر بكثير عن فكرة «أب» و«أبناء». وهذا صحيح جدا من وجهة نظري ومفهوم خاصة عندما يطلب توضيحه من الخارج. أستعيد ما قاله الأصدقاء وأنا أرى ما حدث أمس في عُمان عندما أعلن أن جلالة السلطان-حفظه الله- في طريقه إلى مملكة بلجيكا لإجراء فحوصات طبية، وأضعه في نفس سياق ما حدث خلال الفترة من يوليو 2014 إلى مارس 2015 حينما كان جلالة السلطان في ألمانيا لتلقي العلاج وأقول أنا معهم إنها علاقة استثنائية أو ربما هي فوق الاستثنائية. فمكانة السلطان في قلوب العمانيين لا يمكن قياسها أو التورط في وصفها، شيء أكبر من أن يفهمها من لم يعشها أو يحسها تجري في مجرى دمه.. ولا يمكن شرحها بمعزل عن سياقها التاريخي لأنه هو أساسها الأول.
فعلاقة العمانيين بالسلطان لم تبدأ في الحقيقة في يوليو من عام 1970 عندما تسنم جلالته عرش عُمان بكل عظمته ولكنها بدأت قبل ذلك بزمن طويل جدا، وليس هذا حديث خيالي أو كتابة بلاغية ولكنها الحقيقة كما أراها على أقل تقدير. عاشت عمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية مرحلة صعبة جدا، ربما هي من أصعب المراحل التي مرت بها عمان عبر تاريخها الطويل. تراجعت الإمبراطورية عن مكانتها في التاريخ، وعاشت ثلاثة عقود أو يزيد خارج السياقات التي اعتادتها. كان العالم من حولنا يتقدم سريعا فيما بقيت عُمان بعيدة عن كل تحديث في سبل الحياة البسيطة والأساسية. ولقي العمانيون خلال هذه المرحلة مصاعب لا يمكن وصفها أبدا، أو أن اللغة لا تستطيع أن تجد المفردات المناسبة لوصفها. تفرق العمانيون في بلاد المهجر في الخليج وفي أفريقيا بل أن أحد الأصدقاء أخبرني أن منهم من وصل إلى البرازيل وكلهم كانوا يبحثون عن لقمة عيش يسدون بها رمقهم ويحفظون بها كرامتهم. وبدا وكأن المشهد في عُمان قد وصل إلى جدار مسدود لا يمكن معه أن تتغير الأحوال.. لكن شعبا مثل الشعب العماني سليل عُمان العظيمة لم يفقد الأمل، ولم يتصور أنه يبقى خارج السياق التاريخي طويلا وهو أحد أعمدته في المنطقة والعالم العربي وفي الحضارة الإنسانية؛ ولذلك كان الجميع ينتظر من يخلصه من الوضع المزري الذي ران على المشهد طويلا.. ومن يستقرئ أدبيات تلك المرحلة سواء المكتوبة أو الشفهية التي يرويها الآباء والأجداد يعرف هذه الحقيقة لأنها حاضرة في كل التفاصيل.
وعندما جاء السلطان قابوس تيقن العمانيون أنه من سيخلصهم، بعد الله، من الوضع الذي عاشوه لسنوات طويلة ولم يكن يليق بهم ولا بمكانتهم الحضارية. وكان السلطان على يقين بما ينتظره العمانيون منه ولذلك خاطبهم أول ما خاطبهم بالقول: «كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي». رأى العمانيون في السلطان قابوس المخلص والرمز. لم يجلس السلطان في بروج السلاطين العاجية بل نزل إلى الميدان يده بيد العمانيين لبناء الدولة ذات المكانة المرموقة. وكان له برنامج عمل أعلنه أمام جميع العمانيين والعالم في يوم 9 أغسطس من عام 1970 وما زال يعمل وفق رؤيته تلك. ومع الأيام عندما عرف العمانيون أن رؤية سلطانهم متوافقة مع طموحهم ومع المجد الذي كانوا ينشدون عندما عاشوا تحت وطأت الظروف الصعبة في الداخل أو في المهجر تعمق ذلك الحب، وتكرس مع الأيام حتى صار اليوم أيقونة وأنموذجا يستغرب منها الجميع في الخارج لكننا في عُمان لا نرى الأمر إلا نتيجة تاريخية طبيعية لما حققه السلطان لنا في هذه البلاد الطيبة. وأعتقد أن العالم يشهد لعمان ولسلطانها بأنها النموذج الذي يتمناه الجميع. وعلى مستويات كثيرة ففي الوقت الذي يتناحر فيه العالم العربي وتموج المنطقة بمتغيرات عميقة على مستوى النسيج الداخلي للدول والأيديولوجيات بقيت عمان مستقرة ومحصنة بتاريخها أولا وأخلاق أهلها المتراكمة عبر الزمن وشامخة في وجه كل ما يجري.. وستبقى كذلك. وستبقى تدعو لسلطانها ورمزها بالصحة والسلامة والعمر المديد.