الـتـأمـين الزراعــي.. الأهــمــيــة والمـــأمول

سالم بن سيف العبدلي/ كاتب ومحلل اقتصادي –

أسدل الستار الأسبوعي الماضي على ندوة التأمين الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية والتي نظمتها لجنة قطاع المال والتأمين بالتعاون مع لجنة الأمن الغذائي بغرفة تجارة وصناعة عمان، وقد تضمنت عقد جلستي عمل وناقشت العديد من القضايا المهمة، حيث ركزت على أهمية التأمين الزراعي وقد تشرفت بأن اكون ضمن اللجنة التنظيمية وإدارة إحدى جلسات الندوة.
وقضية التأمين الزراعي من القضايا الهامة التي ينبغي تسليط الضوء عليها وتوعية المزارعين والصيادين بأهمتها خاصة وأن السلطنة أصبحت عرضة للعديد من الأنواء المناخية والتغيرات في الطقس إضافة إلى الطبيعة البيولوجية لقطاع الزراعة والذي يتـأثر مباشرة بالعوامل الطبيعية والبيئية ناهيك عن الأمراض والآفات التي تصيب النبات والتي قد تقضي على المحصول كاملا، وأيضا بالنسبة للقطاع السمكي والحيواني هناك العديد من المخاطر التي يتعرض لها هذان القطاعان .
ويعتبر قطاع الزراعة من القطاعات التي تصنف على أنها أكثر مخاطرة مقارنة بقطاعات أخرى كقطاع العقار او السياحة والنقل، لذا تجد أن العديد من المستثمرين الصغار والكبار لا يقبلون على الاستثمار فيه ويفضلون تشغيل أموالهم في مجالات أخرى تدر عليهم أرباحا شبه مضمونة وسريعة، ناهيك عن ان دوران رأس المال في قطاع الزراعة أطول بكثير من القطاعات الأخرى .
من هنا ظهرت الحاجة إلى تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على تأمين محاصيلهم ومنتجاتهم وأصولهم من أجل تقليل الخسائر في حالة حصول أي ضرر لا قدر الله بسبب الظروف المناخية غير المواتية والتي قد تحصل في أي وقت فتقضي على الأخضر واليابس.
وقد بدأ الحديث عن موضوع التأمين الزراعي في السلطنة منذ قرابة عشر سنوات وشكلت له العديد من اللجان في وزارة الزراعة والثروة السمكية وفي غرفة تجارة وصناعة عمان وفي هيئة سوق المال وقبل ثلاث سنوات تقريبا تم تشكيل فريق لدراسة إدخال منتجات التأمين الزراعي في السلطنة من نفس هذه الجهات وإضافة إلى الشركة العمانية لإعادة التأمين والجمعية العمانية للتأمين وقام الفريق في البداية بدراسة الجدوى الاقتصادية للتأمين الزراعي في السلطنة، ومدى إمكانية قيام شركات التأمين بتسويقه كمنتج تأميني، إضافة إلى دراسة أنواع التغطيات التأمينية المناسبة والمجدية اقتصاديا، والوقوف على الأدوات والخبرات المطلوبة لتطبيق التأمين الزراعي، وتقديم المقترحات حول الآليات والبدائل لحماية المزارعين والصيادين والثروة الحيوانية من الكوارث الطبيعية والآفات الزراعية والخسائر الناتجة من الأخطاء البشرية
وفي أواخر عام 2017 م تم اعتماد وثيقة التأمين على الخضروات والبيوت المحمية وفي هذا العام تم اعتماد وثيقة التأمين على قوارب الصيد والسفن والأحياء البحرية ومن المتوقع خلال الفترة القادمة صدور وثيقة التأمين لأشجار النخيل وأيضا وللثروة الحيوانية خاصة الدواجن والمواشي ويجري حاليا دراسة مدى إمكانية إدخال منتجات تأمينية أخرى على بعض المنتجات كعسل النحل وغيرها من الأنشطة.
ومن خلال النقاش اتضح بأن العديد من المزارعين والصيادين ليس لديهم معرفة تامة بالتأمين الزراعي ومزاياه، وقد أكدت أوراق العمل على أهميته حيث إنه يساهم في توفير بيئة استثمارية آمنة للثروة الزراعية والحيوانية في البلاد، وذلك من خلال حمايته للمزارع من المخاطر غير المتوقعة، كما أنه يساهم في الحد من الخسائر المادية الناتجة من الأنواء المناخية غير المتوقعة أو انتشار آفات وأمراض وبائية.
وقد وجدت كثير من الدول في التأمين الزراعي الطوق الآمن لكل من المزارع والصياد لأن التأمين الزراعي يتولى تعويض المزارع المؤمن على مزروعاته عن الخسائر الناتجة عن المخاطر غير المحسوبة والخارجة عن سيطرته من خلال تحمله لنسبة كبيرة من المخاطر.
وبعد نقاشات مستفيضة خرجت الندوة بالعديد من التوصيات المهمة والتي سوف تساهم بلا شك في الاستفادة من التأمين الزراعي وتطبيقه في السلطنة بالتدريج ونذكر هنا أبرز وأهم تلك التوصيات وهي : أهمية العمل على إيجاد تغطية تأمينية شاملة لقطاعي الزراعة والثروة السمكية، وإنشاء صندوق وطني يهتم بتوفير المساندة والدعم للمزارعين والصيادين في أوقات الأنواء المناخية وهذه توصية مهمة للغاية كون أن المزارع والصياد لايستطيع ان يتحمل تكاليف التـأمين كاملة لذا فلا بد من وجود صندوق أو مؤسسة رسمية تساعده وتتحمل جزءا من المخاطر وهذا معمول به في العديد من دول العالم التي تطبق الـتأمين على قطاع الزراعة.
كما أوصت بضرورة إبرام وثيقة التأمين الزراعي والسمكي قبل الحصول على التمويل للمشروعات في هذين القطاعين، وضرورة المراجعة الشاملة للتكاليف التأمينية بحيث تكون جاذبةً وقابلةً للتسويق لدى جميع الأطراف، بالإضافة إلى تطوير قاعدة بيانات شاملة تأخذ بعين الاعتبار الحاجة للمعلومات الدقيقة لقطاع التأمين، وإدراج التأمين الزراعي والسمكي في الخطط الاستراتيجية للأمن الغذائي في السلطنة.
وقد أكدت الندوة على أهمية إنشاء دائرة معنية بالتأمين في وزارة الزراعة والثروة السمكية يكون من ضمن اختصاصاتها التعامل مع جمعية المزارعين، وشركات التأمين وذلك لحل الإشكالات التي تطرأ بين الأطراف التأمينية ، كما أكدت الندوة على أهمية نشر الوعي التأميني لدى المزارعين ومربي الماشية والصيادين، وإدخال نظام التأمين على القوارب وسفن الصيد حسب قانون حماية الثروة المائية الحية، ، وأهمية تطبيق التأمين الزراعي والسمكي بشكل تدريجي ومرحلي.
أخيرا نقول لا بد من الدعم الحكومي لمثل هذا المشروع إذا ما أريد له النجاح خاصة إذا ما علمنا بأن قيمة الخسائر التي تعرض لها المزارع وممتلكاته على مستوى السلطنة خلال إعصار جونو على سبيل المثال فقط قدرت بالملايين.