ديمقراطيو أمريكا وإشكالية الجواد الرابح

إميل أمين – كاتب مصري –
على بعد أسابيع قليلة من انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية 2020 والتي يتوقع القاصي والداني أنها ستكون حملة شديدة الوطيس، يتساءل المراقبون ما هي أوضاع الحزب الديمقراطي، وهل من أمل له في الوصول إلى البيت الأبيض وإزاحة الرئيس دونالد ترامب؟

يبدو أن السؤال الآن في الداخل الأمريكي يتمحور وبقوة حول الديمقراطيين، أما الجمهوريون فغالبا يراهنون على الرئيس ترامب، وذلك رغم كل الضغوطات التي تقابله والإزعاج الذي يتسبب له فيه الحزب المناوئ، لا سيما في ظل قيادة «نانسي بيلوسي» لمجلس النواب.
ما هي إشكالية الحزب الديمقراطي، وهل الأزمة في الجواد الرابح القادر أن يقود الجماعة الديمقراطية إلى البيت الأبيض من جديد بعد سنوات اوباما الثماني؟
يبدو أن هناك اكثر من أزمة تقابل الديمقراطيين في واقع الحال، وفي المقدمة منها أعمار المرشحين للسباق، فنظرة سريعة على الفرسان الثلاثة المتقدمين في السباق، وهم: بيرني ساندرز، وجوزيف بادين، واليزابيث وارن، تبين أن ثلاثتهم تجاوزوا السبعين من العمر، وهو مشهد مغاير تماما لمشهد ترشح السيناتور باراك اوباما والذي كان في الأربعينات حين دخل البيت الأبيض، وعليه فقد نجح الديمقراطيون في البقاء ثماني سنوات هناك.
ولعل بعضا من التحليل والتفكيك لكل من المرشحين الثلاثة يوضح لنا مدى أزمة الديمقراطيين، فالمرشح جوزيف بايدن يبلغ من العمر 77 عاما وبهذا يضحى اكبر مرشح يمكن أن يدخل البيت الأبيض كرئيس، بل انه سيكون اكبر من رونالد ريجان الرئيس الأمريكي الجمهوري الأشهر في أوائل ثمانينات القرن الماضي.
ولعل سيرة ومسيرة بايدن غير مغرية للناخب الأمريكي بحال من الأحوال، ذلك انه لم يترك بصمة كبرى خلال نيابته لاوباما، عطفا على إشكاليات عديدة انتابته خلال العامين الماضيين منها ما هو صحي ارغمه على الدخول والبقاء في المستشفى لفترة بعينها، ومنها ما هو موصول بأزمة علاقته بأوكرانيا وهل مارس نفوذا بعينها هناك استغل فيه سلطته في إحراز مكاسب لابنه وشركته النفطية.
يصف بايدن نفسه بانه ديمقراطي معتدل، وهو في كل الأحوال من المرشحين المفضلين عند عدد من قادة النقابات العمالية، وقد بدا الحملة الانتخابية الخاصة به مبكرا جدا، واستبق الكثير من أقرانه من الديمقراطيين، ولهذا يظن البعض أن له ميزة في هذا الإطار وبخاصة عند الجماعات المسيحية المعتدلة وهو الكاثوليكي المعروف بصلواته وطقوسه ومسبحته التي يحملها في يده.
على الجانب الأخر نجد المرشح اليساري بيرني ساندرز، والذي يفوق بايدن في التقدم في العمر اذ يبلغ 78 عاما، وساندرز صاحب قصة مثيرة للتأمل تعكس تهافت الديمقراطية في الداخل الأمريكي، فالرجل كان مرشحا قويا وجيدا لحزبه الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016، وكانت حظوظه عاليه للفوز بترشيح حزبه له، غير أن انقلابا بعينه قادته هيلاري كلينتون ضده، افقده فرصة الحصول على الترشح، الأمر الذي أطهرته الاختراقات التي جرت لحملة الديمقراطيين الرئاسية والتي عرفت لاحقا باسم «روسيا – غيت»، وتم فيها اتهام الرئيس ترامب بانه كان على صلة بالروس الذين ساعدوه للوصول إلى ذلك المكان الرفيع.
مهما يكن من أمر فان ساندرز لم ييأس، وها هو يحاول الحصول على فرصة جديدة، غير أن واقع الحال يشير إلى ثنائية مثيرة للجدل من حوله فمن جهة الرجل يمثل تيارا واعدا في الداخل الأمريكي، ونعني به تيار الديمقراطية الاشتراكية، والذي بات يعرف أنصاره باسم «الاشتراكيون الجدد».
هذا التيار هو الضد شكلا وموضوعا من أصحاب النيوليبرالية الاقتصادية، والرأسمالية البواح، وهو تيار يتنامى يوما تلو الآخر ويكتسب أرضية جديدة بين الشباب الأمريكي، لكنه ربما يحتاج إلى دورة أو دورتين رئاسيتين حتى ينضج اتباعه ويشكلوا قوة انتخابية، سيما وان هناك أجيالا أمريكية لا تزال ترى أن الاشتراكية هي صنو للشيوعية، وان نهاية أمريكا على ايدي الاشتراكيين، وهي اتهامات لاحقت باراك اوباما أيضا في بدايات حكمه.
من بين ملفات ساندرز المثيرة بدورها بجانب تقدمه في السن، واضطراره الشهرين الماضيين للدخول إلى المستشفى لإشكالية في القلب، هويته الدينية فالرجل يهودي الديانة وحتى الساعة لم يصل رئيس يهودي إلى البيت الأبيض طوال التاريخ الأمريكي وان كانت هذه نقطة غير ذات موضوع عند البعض، لكن البعض الآخر يرى انه ربما حان الوقت لتجاوز مسألة إيمان ومعتقد الرئيس وان كان على الدوام يأتي من جماعة الواسب، أي الأمريكيين البيض الانجلو ساكسون البروتستانت، وحجة هذا الفريق أن من اختار رئيس من جذور إفريقية ربما يختار من جديد رئيس يهودي الديانة بدون أدنى إشكالية.
يتبقى في السباق إذن السيناتور «وارن» والتي تجاوزت بدورها السبعين عاما، عن ولاية ماساشوستس، وهي بدورها كما ساندرز من اكثر المرشحين ميلا إلى الأفكار اليسارية والمناداة بالمساواة في الأعمال والحقوق الاجتماعية، وقد عزز صعودها أداؤها القوي في المناظرات الحوارية وتنظيمها مهرجانات انتخابية حاشدة، ووفقا لمؤسسة التوقعان السياسية «بريدكت إت»، تشير الاحتمالات إلى فوز وارن بمعركة المرشح عن الحزب الديمقراطي، ويعزى معظم نجاح وارن إلى قوة حججها السياسية، فقد تفادت إلى الآن نقاش «المعتدل في مواجهة التقدمي»، الذي يثير قلق باقي المرشحين.
هل ستتغير مقادير الديمقراطيين الأيام والأسابيع القادمة بعد إعلان مايكل بلومبيرج دخوله قصبة السباق الرئاسي؟
يهم القارئ بداية التعرف على المرشح الجديد والذي قد تكون حظوظه وافرة في الترشح عن الحزب الديمقراطي، لا سيما وانه قد يكون مكافئا موضوعيا لترامب من جزئية بعينها وهي انه ملياردير مثله.
لم يكن بلومبيرج ديمقراطيا خالصا أو ركنا من أركان الحزب، بالضبط أيضا كما كان ترامب على هامش بعيد جدا من الحزب الجمهوري، بل إن بلومبيرج له ميزة نسبية وان جاءت متأخرة تمثلت في انه تم انتخابه حاكما لنيويورك بصفته مستقلا، ومن بعدها تنقل بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
يفوق بلومبيرج في واقع الحال في ثروته ثروة ترامب بكثير جدا اذ تبلغ نحو خمسين مليار دولار، وربما تكون هذه ميزة تمكن الرجل من أن يدير حملته الانتخابية من دون أي ضغوطات يمكن أن يتعرض لها من المتبرعين والممولين لحملته الانتخابية، وفي دولة لم تتمكن فيها المحكمة العليا من وضع ضوابط أو فرض قيود وحدود لمسألة التبرعات الانتخابية، الأمر الذي اشرنا إليه مرارا من انه جعل أمريكا دولة تباع فيها الديمقراطية على الأرصفة، بمعنى خضوع رجالات السياسة لضغوطات أصحاب رؤوس الأموال، الأمر الذي يتضح بجلاء تام في فكرة المجمع الصناعي الأمريكي، حيث أصحاب المصانع الحربية يمثلون ضلعا من ثلاثة أضلاع فيما الضلعان الآخران هما جنرالات البنتاجون من جهة، والمشرعون في الكونجرس الأمريكي من جهة ثانية.
ظل بلومبيرج عضوا عاملا في الحزب الديمقراطي حتى عام 2001، ثم غير اتجاهه السياسي وانضم للحزب الجمهوري، قبل ترشحه لمنصب عمدة نيويورك في عام 2001، وبقي في المنصب ثلاث فترات متواصلة.
وخلال تلك الفترة، اتهم باستهداف الأقليات العرقية كالأفارقة والمنحدرين من أمريكا اللاتينية بعد أن سمح للشرطة بإيقاف وتفتيش من يشكون بهم، وان كان قد اعتذر عن تلك السياسة لاحقا.
كان العام 2008 موعدا ليغير بلومبيرج مساره السياسي والحزبي مرة جديدة فقد ترك الحزب الجمهوري ولم ينضم إلى أي حزب سياسي، وفضل أن يبقى مستقلا، إلا انه عاد مرة جديدة في العام 2018 لينضوي تحت راية الحزب الديمقراطي.
هل هي انتخابات رؤوس أموال هذه المرة؟
الشاهد انه في حين يسعى بقية المرشحين الديمقراطيين إلى تبرعات الأفراد والشركات والهيئات، بدءا من أوراق النقد فئة العشرة دولارات وصولا إلى بضعة آلاف على أقصى تقدير، يرصد بلومبيرج ميزانية أولية لحملته الانتخابية تصل إلى 30 مليون دولار، وهي قابلة للزيادة دون أدنى شك.
لم يعرف عن ترامب عبر مسيرته العملية انه كان صاحب أياد بيضاء على العمل الخيري، إلا أن بلومبيرج على الضد من ذلك بصورة مطلقة فهو معروف عنه مساهماته في الأعمال الخيرية، كما انه من كبار داعمي قضايا البيئة وتغير المناخ، ما يعني بالفعل انه قوة مواجهة حقيقية للرئيس ترامب الذي استهل ولايته الرئاسية الأولى بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، وذلك حتى يلقى حظا من جماعات الضغط الخاصة بالطاقة في الداخل الأمريكي، وبنوع خاص لوبي الكربون الذين يدافعون بشراسة عن استخدامه في الصناعة الأمريكية مهما سبب الأمر من إشكاليات للمناخ العالمي، طالما انهم يدعمونه ماليا وسياسيا، وعطفا على ما تقدم فان بلومبيرج من كبار المناوئين لانتشار السلاح الأمريكي بين الأفراد في أمريكا، ما يعني ومن جديد انه التوجه المضاد لترامب الرافض لتقنين مسألة حيازة السلاح بشكل فردي، لارتباط المشهد أيضا بجماعة صناع وحملة الأسلحة وهؤلاء قوة انتخابية لا يستهان بها.
يعلن بلومبيرج عن انه دخل السباق لكي يهزم ترامب، لكن من أي زاوية وأي كعب أخيل يحاول الرجل الملياردير أن ينفذ إلى الناخب الأمريكي؟
الشاهد انه من الذكاء بمكان، ما يعني أن له دالة ما على التفكير الإيجابي والخلاق، فهو يدعو إلى إعادة بناء أمريكا، وان بصورة معتدلة، بمعنى أن تعود أمريكا إلى جانب المثالية وان لا يعني ذلك التفريط المطلق، بل التزام الواقعية بمثالية أن جاز التعبير، هذا ما أشار إليه وسط مؤيديه من جمعات مسيحية معتدلة يمكنها أن تكون داعما قويا له في مسيرته القادمة.
يلاحظ القارئ هنا أن بلومبيرج يزايد على ترامب، فالأخير اعلن عن عودة أمريكا عظيمة، لكنه سلك طريقا براجماتيا نفعيا باعدت كثيرا بين أمريكا وبين حلفائها حول العالم، ولهذا اعتبر بلومبيرج أن ترامب يمثل: «تهديدا وجوديا لبلادنا وقيمنا، وانه في حال فوزه بولاية أخرى، فإن أمريكا قد لا تتعافى أبدا».
هل وضع الديمقراطيون أياديهم على الجواد الرابح في مواجهة ترامب؟
يمكن أن يكون ذلك كذلك، وان بقي عاما يمكن أن تحدث فيه أمور كثيرة تغير الأوضاع وتبدل الطباع.