نوافذ :الذوق العام

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يعي الجميع، أن هناك مساحة خاصة للفرد، يتحرك فيها على اتساع حريته التي يريد، ولن ينازعه عليها أحد، فالقانون والعرف، والمنطق كلها على توافق تام فيما يخص هذا الجانب، ولذلك لا غضاضة في أن يمارس فيها الفرد كل سلوكياته المقبولة منها والشاذة على حد سواء، المباحة منها وغير المباحة، ولكن مع هذا الاتساع في ممارسة السلوك الخاصة في المساحة الخاصة، إلا أنها تبقى مساحة محدودة جدا؛ ربما؛ قد لا تتعدى مساحة منزله الخاص، ومتى تعدى هذه السلوك هذه المساحة «الآمنة» بالنسبة للفرد، تتغير الأحكام، والرؤى (360) درجة وفق المقياس الهندسي الصارم، حيث تأخذ أحكاما مطلقة، يصعب المساس بها، ومن هنا ترى أن هناك من لا تتسع له هذه المساحة الضيقة، فيخرج بسلوكه خارج هذه المساحة الضيقة، ومتى قام بذلك فقد حريته الكاملة في ممارسة سلوكه، وأصبح على الجميع أن يوجه إليه سهام النقد، وقد يعرض نفسه للمساءلة القانونية.
وعندما نتحدث عن الذوق العام، فإننا نذهب إلى محاسن الأخلاق، وإلى الصفوة من الناس الذين يتميزون بالسمو الأخلاقي الرفيع، والذي تعكسه الكلمة الطيبة، والسماحة، والتعاون، والإيثار، والمظهر الجميل، والملابس المحترمة، وبشاشة الوجه، وعدم التعدي على حقوق الآخرين في الحديث، وفي المكانة، وفي الوجاهة، وفي المقامات النسبية المختلفة، وبمعنى آخر أن الذوق العام عبارة عن صفوة الأخلاق والممارسات وذروتها السامية، وبمقدور كل فرد في المجتمع أن يتبنى الذوق العام ويمارسه بلا تكلف، لأنه ملك يدين يتقاسمه الأفراد مع آخرين من حولهم، فهو ملك مشاع، وغير مخصص بعرق، أو نوع، أو دين، أو مذهب، أو لون، فلا يحتاج إلى كلفة مادية، أو تجشم عناء التصنّع، وبقدر هذه المحبة من قبل الجميع للذوق العام، ينال هذا الرضا المنقطع النظير، وبالتالي فأي تصرف يخرج عن الذوق العام يجابه بمقاومة ونقد شديدين، وينعت من يخرج عنه بأشنع الصفات، وقد يصبح منبوذا من قبل الذين يرون في الذوق العام الهوية والانتماء، والمعنى للخلق الإنساني الرفيع.
والناس؛ كما هم دائما؛ يتفحصون، وينتقدون، ويعاتبون؛ وربما؛ يحزنون، ويتأسفون، وقد تصل بهم المواجهة إلى حد الجنون، كل ذلك يحدث لأن فلان من الناس أصبح بتصرفات ما، شاذ عن القاعدة، ومعاند، ومكابر، يتجاوز القوانين والنظم، وأشدها حساسية، النظم الاجتماعية، والأعراف المتوارثة، والمتبادلة، والمسألة وفق هذه الرؤية، لا تنحصر فقط؛ كما هو السائد؛ في الملابس الغريبة والشاذة للفرد، أو قصة شعره، ممارسة سلوكيات خادشة للحياء في الأماكن العامة، أو الصراخ الملفت للنظر في الحديث الذي يضم جمعا من الناس، أو الدخول في الأحياء السكنية برفع مكبرات صوت آلة التسجيل في المركبة، فبالإضافة إلى كل هذا أي سلوك تعارف عليه أبناء المجتمع على أنه سلوك شاذ، وبقاء صاحبه عليه يدخل حكم المرفوض، مهما كانت المبررات، ولذلك نسمع كثيرا ما يشار إلى أناس بعينهم، أو إلى المجموع في الإتيان بسلوكيات، أو ألفاظ خارجة عن حدود المقبول، وفق هذا العرف أو ذاك، وعادة ما يقع صغار السن في هذا المطب بحكم قلة الخبرة في الحياة من ناحية، وتعمدهم إلى خوض تجربة كل شيء شاذ، من ناحية ثانية.
وما يجب النظر إليه في هذا المقام، أن كثيرا من السلوكيات المنبوذة من قبل أبناء المجتمع تحت عنوان «الذوق العام» تصبح بعد فترة سلوكيات مقبولة إلى حد ما، ولا تثير الزوبعات مثل بداياتها الأولى، لأن النفوس تدخل في حالة إدمان، فتضيع منها بوصلة تحديد الاتجاهات إن كان هذا السلوك لا يزال منبوذا، ويتصادم مع «الذوق العام» أو مقبولا بحكم ممارسته من قطاع كبير من الناس، وهنا لا يتسع الحديث لضرب أمثلة، فالواقع واضح، وكلنا على اطلاع واع بما يحدث في المجتمع.