إضاءة :سباق نحو الخير

سالم الحسيني –
المبادرات الإنسانية والأعمال الخيرية التي ينادي بها العالم اليوم والتي جعل لها أياما للاحتفال بها وتذكير البشرية بأهميتها والحث عليها هي من صميم ديننا الإسلامي الحنيف الذي سبق وأن دعا إلى تبنيها والحث عليها لما لها من أهمية بالغة في حياة الناس، وقد سارع الكثير ممن آتاهم الله من فضله ووفقهم لذلك إلى تبني تلك الدعوة بعمل شتى صنوف الخير مدركين لما لهذا الفعل الحميد من الأجر المضاعف عند الحق سبحانه، مدركين أن هناك فئة من البشر في حاجة ماسة للتخفيف من معاناتها، متحسسين ما نالها من صروف الأيام وتقلبات الشهور والأعوام، وقد ساق لنا القرآن الكريم الكثير من المواقف الإنسانية وهناك العديد من الأحاديث النبوية الشريفة الداعية إلى ذلك العمل الإنساني الحميد.
والناظر بعين البصيرة إلى دعوة الدين الإسلامي الحنيف إلى ذلك نراها تتبنى بعدا فلسفيا اكبر وأشمل من التعاون بين المؤمنين أنفسهم، فقوله سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، وقول صلى الله عليه وسلم: (خير الناس أنفعهم للناس) الأمر وان كان موجها للمؤمنين إلا أن به من الشمولية ما يعم خيرها المؤمنين وغيرهم من البشر من أجل التعاون لما في صالح البشرية جمعاء، ولا غرابة في ذلك فقد جاء رحمة للعالمين جميعا.. (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). وما احتفال العالم اليوم بهذه الأيام والمناسبات إلا لأجل تذكير البشر ولفت أنظارهم بذلك النهج الإسلامي الراقي في عالم طغت فيه الماديات وتحكمت في كل حركاته وسكناته المصالح حتى اصبح لا يقيم وزنا لمثل تلك الاعتبارات، وذلك ينسحب أيضا على عالمنا العربي والإسلامي نتيجة انسلاخ الكثير من اتباعه من الهوية الإسلامية، متناسين ما ينتظر فاعلها من الثواب العظيم والأخر الجزيل، وقد أدرك الرعيل الأول ذلك وتمثلوه في حياتهم العملية فبادروا إلى كل عمل خيري من شأنه الارتقاء بالبلاد والعباد بدءا من سعيهم نحو تأمين الأمن الغذائي من شق الأرض وزرعها وحرثها وشق الأفلاج ووقف الكثير من الأموال لسد حاجة الجياع والمعوزين وذوي الحاجة ليتعدى ذلك إلى الوقف من اجل نشر العلم والفضيلة وتنشئة الأجيال على النهج الحميد كي يستمر الجهد ويستمر العطاء وليكون الأجر المضاعف مستمرا كالنهر الجاري يصب في موازين أصحابها إلى يوم الدين.
وقد أطلعتنا كتب السير عن الكثير من قصص السلف الصالح الذين سعوا لخدمة ذوي الحاجات فقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء، في بعض حواشي المدينة، فيستقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها، فرصد عمر ذلك الرجل فإذا هو أبو بكر الصديق، وهو يومئذ خليفة، وكثير من الصحابة الكرام كانوا على هذا النهج ولهم من السير الشهيرة في الإقدام على مثل هذا العمل الخيري ومنهم من يبذل الأموال في ذلك السبيل كما هو الحال عند سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيره من الصحابة والتابعين الكرام، والحال نفسه عند الصحابيات الجليلات فهذه «أم عمارة» نسيبة بنت كعب كانت تشارك في ساحة المعارك تسقي العطشى وتداوي الجرحى، والسيدة أسماء بنت أبي الصديق ذات النطاقين وغيرهن الكثير، وعلى ذلك النهج العظيم سار الآباء والأجداد فلا تكاد ترى بلدة في بلادنا عمان إلا وفيها من الوقف الخيري الكثير يبتغي أصحابه بذلك مَرْضَات الله سبحانه وتعالى، وقد ظهرت في بلادنا والحمد لله الكثير من المؤسسات الوقفية والجمعيات الخيرية والتطوعية أخذت على عاتقها تحمل تلك الأمانة العظيمة فترى الناس يتسابقون إلى دعمها كل حسب استطاعته ولها دورها الملموس في المجتمع العماني وقد هيأ الله سبحانه وتعالى من يقوم بإدارتها دون أن يرجوا من ذلك جزاء ولا شكورا فلهم منا كل التقدير والثناء فجزاهم الله عن البلاد والعباد خير الجزاء.